فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ إِزَالَةُ الأَوْسَاخِ فِي الْمَسَاجِدِ كَتَقْلِيْمِ الأَظْفَارِ، وَقَصِّ الشَارِبِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَالعَمَلِ وَالصَنَائِعِ؛ كَالخِيَاطَةِ، وَالخَرَزِ، وَالحَلَجِ، وَالتِّجَارَةِ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ؛ إِذَا كَثُرَ.
وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا قَلَّ مِثْلُ رَقْعِ ثَوْبٍ، أَوْ خَصْفِ نَعْلٍ، أَوْ تَشْرِيْكِهَا إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُهَا.
قوله: (ويكره إزالة الأوساخ في المساجد إذا انقطع شسعها).
استقرت العناية بالمساجد في الشريعة الإسلامية،وتظاهرت بذلك الأخبار، فقد أمر النبي - ﷺ - بتطييبها، وأثنى على من كان يلي تنظيفها، بل في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - لما فقد امرأة كانت تقم المسجد، فقالوا: ماتت، فقال: «دلوني على قبرها» (١) ثم أتى وصلى عليها تكرمة لها.
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٤٥٨) ومسلم (رقم: ٩٥٦).
[ ٣٢١ ]
ونهى عن البصاق فيها، واستفاضت الأخبار في النهي عن ذلك، بل قد باشر ﵊ إزالة البصاق وحكه بيده الشريفة، وكان قد أمر بتخليقها بزعفران، وكان السلف يجمِّرون المساجد ويطيبونها، ونُدِب إلى ذلك، حتى قال شيخ الإسلام في الفتاوى في المجلد الثاني والعشرين قال: والمسجد يصان حتى عن القذاة التي في العين. (١)
واشتهر عند الناس خبر لا يثبت، أن قمامة المسجد مهور الحور العين، وهذا لا يصح، (٢) ولمّا بال رجل في المسجد قال - ﷺ -: «أهريقوا على بوله ذنوبا من ماء» ثم قال: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من قذر الناس» وكما قال - ﷺ -: «إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن» (٣) وأنكر أصحابه على من بال في المسجد.
_________________
(١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٢/ ٢٠٢).
(٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٢/ ١١٣): رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده مجاهيل.
(٣) أخرجه أحمد (رقم: ٧٧٨٦) والبخاري (رقم: ٥٧٧٧) ومسلم (رقم: ٢٨٤ و٢٨٥) وأبو داود (رقم: ٣٨٠) والترمذي (رقم: ١٤٧).
[ ٣٢٢ ]
وفي حديث عائشة - ﵂ - الذي في السنن (وفي إسناده مقال): أن النبي - ﷺ - أمر أن تُبنى المساجد في الدور وأن تطيب. (١) والدور المراد بها الأحياء، فلا يكون فيها شيء من قلامة الأظفار، ولا تقص فيها الشعور، ولا تعمل فيها الصنائع، بل تصان عما هو أولى من ذلك، كالبيع والشراء، وقد صح عنه - ﷺ - أنه قال: «إذا رأيتم الرجل يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك» (٢)
غير أنه لا يكره إذا قل شيء من ذلك، كرقع الثوب، أو خصف النعل، أو تشريكها إذا انقطعت، فهذا لا بأس به؛ لأنها أعمال يسيرة لا تنافي حرمة المسجد.
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٢٦٤٢٩) وأبو داود (رقم: ٤٥٥) والترمذي (رقم: ٥٩٤) وابن ماجه (رقم: ٧٥٩).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (رقم: ١٧٢٥) والنسائي (رقم: ١٠٠٠٤) الترمذي (رقم: ١٣٢١) وقال: حسن غريب. والدارمي (رقم: ١٤٠١) وابن خزيمة (رقم: ١٣٠٥) وابن حبان (رقم: ١٦٥٠) والحاكم (رقم: ٢٣٣٩) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
[ ٣٢٣ ]