فإذا قصد الإزراء والطعن لا شك أنه آثم، وإذا لم يقصد الإزراء ولا الطعن وإنما ذكر مطلق القول فإنه آثم إذا لم تكن من الصور التي مرت معنا، ولهذا التعريف الذي سبق بيانه في ضابط إباحة الغيبة جامع مانع، وهو: إباحته في كل غرض صحيح شرعًا لا يمكن الوصول إليه إلا بها.
[ ٢١٥ ]
فلو جلس مجموعة من طلاب العلم وأخذوا يتندرون ببعض الرواة الضعفاء دون الحاجة إلى جرحهم في دراسة إسناد أو غيره .. فلان كذا .. وأنت مثل فلان فهذا لا يحل
فتباح الغيبة بقدر الحاجة؛ لأن أعراض المسلمين حرام، ولهذا يقول ابن دقيق العيد في الاقتراح: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها المحدثون والحكام. (١)
فليس معناه أن أعراضهم مباحة مطلقًا، فتجد بعضهم يتندر براوٍ كابن لهيعة فتجده يتندر بهذا الرجل الصالح، الذي هو من أولياء الله من أجل ضعفه، وما وُصم به من سوء الحفظ والاختلاط - وهو سيء الحفظ مطلقًا - فإذا لم يكن يتضمن مصلحة لدرس أو نحوه، كان من الغيبة الحرام، ويكون يوم القيامة يقف لك عبد الله بن لهيعة في العرصات وأنت لم تره ولم يسمع بك.
فليحذر طالب العلم من هذه الزلات؛ إلا إذا تضمن مصلحة؛ كأن يختبر طلاب العلم بالسؤال عن عشرة ضعفاء؟ ويعرف منهم الطلب والاستفادة أو ائتوني بعشرين ضعيفًا في كتاب التهذيب، حتى يصقل
_________________
(١) الاقتراح ٣٤٤.
[ ٢١٦ ]
مواهبهم ويعلمهم؛ لأن هؤلاء طلبة للحديث وطلبة علم، فهذا لا بأس به، وأما التندر بأعراض المسلمين فلا يحل فافهم أيها اللبيب.
قوله (ويستحب ضبط الألسنة والإصلاح بين الناس)
يجمع هذا الذي ذكره المؤلف قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ (١)
في هذه الآية من الفوائد: أن الأعمال المتعدية بمجرد فعلها يؤجر عليها الإنسان، حتى لو لم ينو، لقوله تعالى ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ (١١٤)﴾ أي أن هذه الخصال فيها خير ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾
فالأجر حاصل والخيرية حاصلة بمطلق القول، حتى لو ضعفت النية فإذا تضمن ابتغاء وجه الله كان الأجر أعظم، وهذه قاعدة في كل عمل متعد فافهم هذا فإنه عزيز.
_________________
(١) النساء: ١١٤.
[ ٢١٧ ]
كما في حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري عن أبي مسعود الأنصاري البدري في الصحيحين: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة» (١)
مع أن النبي - ﷺ - قال كما في حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيح: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله؛ إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك» (٢)
ومعلوم أن للشهوة مدخلًا ظاهرًا في كون الإنسان يضع اللقمة في فم زوجته، ومع ذلك ثبت له الأجر.
وحديث جابر - ﵁ - عند مسلم: «ما من مسلم يغرس غرسًا، إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ١٧١٢٣) والبخاري (رقم: ٥٠٣٦) ومسلم (رقم: ١٠٠٢) والنسائي (رقم: ٢٣٢٥).
(٢) أخرجه مالك (رقم: ٢٨٢٤) وأحمد (رقم: ١٥٢٤) والبخاري (رقم: ٥٦ و١٢٣٣) ومسلم (رقم: ١٦٢٨) وأبو داود (رقم: ٢٨٦٦) والترمذي (رقم: ٢١١٦) والنسائي (رقم: ١٤٨٠ و٩١٨٦) وابن ماجه (رقم: ٢٧٠٨).
[ ٢١٨ ]
له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد؛ إلا كان له صدقة» (١)
ومعلوم أنه لا يريد من اللص أن يأخذ منه شيئًا ولا العصافير أن تنقب هذا التمر.
فالكلام على مراتب ثلاث:
المرتبة الأولى: كلام في واجب أو مستحب.
المرتبة الثانية: الصمت.
المرتبة الثالثة: كلام في محرم أو مكروه.
وأفضلها الكلام في واجب ومستحب من تعليم العلم وقراءة القران والإقراء والتدريس والإفتاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أشبه
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم: ١٥٥٢) وأخرجه: الطيالسي (رقم: ١٧٧٥) ومسلم (رقم: ١٥٥٢) وابن حبان (رقم: ٣٣٦٩) الحميدي (رقم: ١٢٧٤) حديث أنس: أخرجه الطيالسي (رقم: ١٩٩٨) وأحمد (رقم: ١٢٥١٧) والبخاري (رقم: ٢١٩٥) ومسلم (رقم: ١٥٥٣) والترمذي (رقم: ١٣٨٢) حديث أم مبشر: أخرجه أحمد (رقم: ٢٧٤٠١) ومسلم (رقم: ١٥٥٢) والدارمي (رقم: ٢٦١٠) والطبراني (رقم: ٢٦١).
[ ٢١٩ ]
ذلك، وهذا هو صنيع الموفقين من عباد الله من العلماء والأخيار ممن أراد الله رحمتهم.
القسم الثاني: هو الصامت الذي يمسك عن الكلام، فهذا الصمت في حقه خير من الكلام في محرم، ولا شك أن الصمت خير من قول السوء، وأما صمته عن قول الحق إذا تعين عليه فمحرم.
القسم الثالث: الكلام في محرم أو مكروه.
فالكلام قد يكون واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا.
وفي حالة كون الكلام مكروهًا أو محرمًا حينئذ يكون الصمت مستحبًا أو واجبًا، فإذا كان مكروهًا فالصمت مستحب، وإذا كان الكلام محرمًا فالصمت واجب.
وكان بعض السلف يلزم الصمت خوفًا من الوقوع في الزلل، وقد قيل إن شريحًا إذا أحرم في الحج كأنه حية صماء حتى يحل من إحرامه.
وبعض الناس يتحفظ في كلامه إذا دخل مكة، وإذا دخل في إحرام تحفظ، وإذا جاء رمضان مثلًا، أو العشر الأواخر تحفظ، أو في الأشهر
[ ٢٢٠ ]
الحرم، وكذا إذا جاء في بقعة فاضلة؛ لأنه يخشى أن يؤخذ بفلتات لسانه، وكم من أسير ومحبوس في النار بسبب هذا فرحماك ربي رحماك.
وقد قيل (إن الساكت عن الحق شيطان أخرس) وهذا ليس بحديث، وإنما هو من كلام أبي علي الدقاق.
وتقسيم الكلام إلى واجب ومستحب أو مكروه أو محرم، من علم الخواص، فبعض العوام مثلًا يدعى إلى شهادة فيقول، أنا لا أريد، ويتورع من ذلك؛ وتورعه ليس في محله؛ لأنه قد يكون الكلام واجبًا.
وقد قال عزوجل ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) وقال عن الشهادة ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢)
فبعض الناس لا يضبط هذا الشيء، فطالب العلم ينبغي أن يعرف متى يتكلم وجوبًا أو استحبابا أو كراهية أو تحريمًا.
_________________
(١) البقرة: ٢٨٢.
(٢) البقرة: ٢٨٣.
[ ٢٢١ ]