المبحث الأول: شروط ضرب الدف.
الشرط الأول: أن لا يكون مصلصلًا، وليس فيه حِلق ولا صنج، وهو مذهب جمهور القائلين بإباحة ضربه في هذه المواضع وقد صرحوا به، وهو اختيار شيخنا ابن باز - ﵀ -.
الشرط الثاني: أن الذي يلي ضربه هم النساء وليس الرجال، فإن الذي كان يضربه في عهد النبي - ﷺ - الجواري والبنات الصغيرات والإماء، ولم يجيء في حديث قط أن الرجال كانوا يضربونه، بل كانت تضربه النساء في الأعراس والأعياد، وجمهور الأئمة الأربعة على كراهية ضربه للرجال، بل صرحوا بالمنع، قال مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. وحكى جماعة من الأئمة: أنه إنما يفعله المخانيث وهم المتشبهون بالنساء فحينئذٍ يُقال: إن قول النبي - ﷺ -: «أعلنوا النكاح» وزيادة قوله - ﷺ -: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» (١)
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ١٥٤٨٩) والترمذي (رقم: ١٠٨٨) والنسائي (رقم: ٣٣٦٩) وابن ماجه (رقم: ١٨٩٦).
[ ٢٨٨ ]
وإن كان الخطاب عامًا لكن يُخصُّ به النساء، فمن قال: يضربه الرجال فعليه الدليل، ولا أعلم أحدًا من السلف قال: أن الرجال كانت تضربه، لا في عهد الصحابة ولا من بعدهم، بل صرحوا بأنه من فعل الفسقة وأهل التخنث، فضربه من الرجال حتى في الصورة التي أبيح فيها يعد من التشبه بالنساء، ويتجه جواز ضربه للرجال في صورة واحدة وهي عند قدوم الغائب حسب،وقد نص على ذلك شيخنا ابن عثيمين ﵀.
وعُلِم بتصريح المؤلف: أن الطبل والزمر محرم، وهو كذلك، فالصحيح في الطبل أنه محرم، وهو مذهب أكثر أهل العلم، بل حكي الإجماع على ذلك وفيه أخبار عِدّة، فقد جاء في المسند من طريق: عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو: أن النبي - ﷺ -، قال: «إن الله ﷿ حرم الخمر والميسر والكوبة. . .» (١) وعمرو بن الوليد فيه جهالة، والحديث فيه اختلاف، ولكن له شاهد أيضًا عند أحمد من طريق علي بن بذيمة عن قيس بن حبتر قال: سألت ابن عباس عن الجرّ الأبيض الحديث إلى
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٦٤٧٨) وأخرجه الطبراني (رقم: ١٢٧) والبيهقي (رقم: ٢٠٧٨٢) وأخرجه أبو داود.
[ ٢٨٩ ]
قوله قال النبي - ﷺ -: «إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة، وكل مسكر حرام» (١) والكوبة: الطبل.
وله شواهد أخرى، وهذا الإسناد الأخير قوي، فالصحيح أن الطبل محرم، وهو قول أكثر أهل العلم، وهناك من استثنى من الطبول، طبول الحرب، وطبول قدوم الغزاة، وطبول الحجيج عند قدومهم، والصحيح أنه لا استثناء في الطبل البتة، إنما جاء الاستثناء في الدفوف، والدفوف يتلاشى صوتها بسرعة لعدم التجويف والطول الذي يوجد في الطبول، وليس في صوتها نعومة وإطراب كما في الطبل.
وأما بالنسبة للمزامير والمعازف ذوات الأوتار، فقد حكي الاتفاق على تحريمها، وممن حكاه جماعة من أهل العلم؛ كالقرطبي، وشيخ الإسلام، وابن حجر، والموفق، وجماعة كثيرون من أهل العلم.
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٢٤٧٦) وأبو يعلى (رقم: ٢٧٢٩) ولفظه: عن قيس بن حبتر قال: سألت بن عباس - ﵁ - عن الجر الأبيض، والجر الأخضر، والجر الأحمر، فقال: إن أول من سأل النبي - ﷺ - وفد عبد القيس، فقالوا: إنا نصيب من الثُّفْلِ فأي الأسقية، فقال: «لا تشربوا في الدباء، والمزفت، والنقير، والحنتم، واشربوا في الأسقية» ثم قال: «إن الله حرم علي، أو حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر حرام» قال سفيان: قلت لعلي بن بذيمة ما الكوبة. قال: الطبل.
[ ٢٩٠ ]
وفيها أخبار عِدّة، منها حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -: أن النبي - ﷺ -، قال: «يأتي زمان على أمتي يستحل فيه الحر والحرير والخمر والمعازف» وقد أخرجه البخاري (١)، وهو صحيح.
ومن ذلك حديث قصة عبد الرحمن بن عوف، وحديث أنس يشد أحدهما الآخر: نهى عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة ولعب ومزامير الشيطان. (٢)
وقد صح ستة أو سبعة أحاديث في تحريم المعازف، وفي المزامير أيضًا حديث ابن عمر - ﵁ -
_________________
(١) وأبوداود وغيره وقد سبق تخريجه. ولفظه: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة».
(٢) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ١٥٩منحة)، والبزار في مسنده (١/ ٣٨٠ كشف)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٦٢)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (١٠٠٤)، وابن سعد في الطبقات (١/ ١٣٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٠)، والبيهقي في السنن (٤/ ٦٩)، والحكيم الترمذي في المنهيات ص (٤٢)، والآجري في ذم الملاهي ص (١١٩)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٤٣١)، كلهم من طرق عن ابن أبي ليلى به، وزاد نسبته في نصب الراية إلى مسند إسحاق وأبي يعلى.
[ ٢٩١ ]
الذي رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه: (١) يرويه نافع عن ابن عمر في قصة مزمارة الراعي وسد ابن عمر أذنيه وفعله كما فعل النبي - ﷺ -، فهذا الحديث ثابت عن نافع من غير وجه، ففيه تحريم المزامير، وكل ما يطرب، سوى ما استُثني.
وهناك من أباح الموسيقى والغناء واستخدام آلاته، كابن حزم - ﵀ - وقد طعن في حديث أبي مالك الأشعري، وقد غلط في هذا - ﵀ - وخفي عليه حال الحديث، وضعّف ما جاء في معناه، وبعض الباحثين من المتأخرين ألف كتابًا في ذلك، وكان قد ألف قبل ذلك كتاب "أحاديث الغناء في الميزان"، وصحح عدة أحاديث، منها حديث أبي مالك، فألف كتابًا آخر، فشرق بما ألف أولًا، والتزم صحة حديث أبي مالك، غير أنه قال: ليس فيه دلالة، غير أن فيه صفة قومٍ يُخسفُ بهم، وأن من صفاتهم أنهم كانوا على هذه الأشياء التي جاءت، ولكن ليس هذا وعيدًا منصبًا على ما كانوا يفعلون، إنما هم إما مشركون أو ما أشبه
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٤٥٣٥) وأبو داود (رقم: ٤٩٢٦) وابن ماجه (رقم: ١٩٠١) والبيهقي (رقم: ٢١٥٢٦) والطبراني (رقم: ١١) ولفظه: عن نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فوضع إصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع، فأقول: نعم، فيمضي، حتى قلت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله - ﷺ - وسمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا.
[ ٢٩٢ ]
ذلك!! وهذا كله من التمحل والإفلاس في رد الأحاديث الصحيحة، وقد ردَّ عليه من رد، والمسألة معروفة، والأحاديث فيها صحيحة، والإجماع فيها متناقل، أو شبه إجماع.
والحكمة في تحريمها ظاهرة، لما فيها من إفساد القلب، والتطلع إلى المحرمات، وفتح باب الشهوات، والإعراض عن قراءة القرآن والذكر، ومن ألِف قلبه الغناء والمزامير والطبول، ابتعد عن القرآن وسماع الذكر، وهذا واضح لا يشك فيه أحد.
وقد قال أحد السلف: الغناء رقية الزنا. (١)
وقال ابن القيم في نونيته:
حُبُّ الكتاب وحُبُّ ألحان الغناء في قلب عبدٍ ليس يجتمعان. (٢)
ولا يوجد في قلب أحد حُبُّ الغناء وسماعه؛ إلا وينصرف عن سماع القرآن.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (رقم: ٥٥) عن الفضيل بن عياض. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٠٦) لابن أبي الدنيا والبيهقي.
(٢) القصيدة النونية (١/ ٨٠).
[ ٢٩٣ ]