وتشتد الكراهة إذا كان الأخذ من اللحية؛ لأنه حينئذٍ يكون فيه أخذ من اللحية من غير حاجة، فهو في اللحية أشد، والحكم العام عند جماهير أهل العلم أنه مكروه.
مسألة: أما الصبغ بغير السواد للشيب إذا كثر، فهذا سنة، فإن قال قائل: قد ورد في الحديث التعليل بأنه نور المسلم، نقول: كونه نورًا لا يمنع من صبغه، فإنه يسمى شيبًا مصبوغًا، وليس بلازم اشتراك البياض بالنور، فمادام أن هذه الشعرة تسمى شيبة، فإنها تكون نورًا يوم القيامة، فإذا صبغها فقد صبغ الصحابة ومن بعدهم، فلا منافاة بين صبغ الشيب وكونه نورًا.
واختُلِف هل صبغ النبي - ﷺ -،أم لا؟ والتحقيق أنه لم يصبغ وفيه بحث متفرق للحافظ أبي الفضل ابن حجر في شرح البخاري فليراجعه من أحب.
قوله: (وفي الحديث أنه نور الله)
كأن المؤلف وهم في سياق الحديث، فإنه نور المسلم.
ولعل لفظة: (نور الله) هنا بمعنى إضافة مخلوق إلى خالقه، أي: النور الذي جعله الله للمسلم، كناقة الله وبيت الله، ولكن هذه إضافة
[ ١٠٤ ]
تشريف، وهنا لم يجيء أن نور الله إضافة تشريف، فيكون من إضافة الشيء إلى خالقه وموجده، يعني أن الله جعله نورًا، فيستحيل الشيب على الصراط نورًا، وهذا جزء من النور الذي يكون على الصراط، الذي يُعطاه أهل الإيمان.
قوله: (وهو أيضًا نذير الموت وهو وقار).
كل هؤلاء الأربع لا أحفظ أنه صح فيها خبر عن النبي - ﷺ -، وإنما هي بالنظر إلى الحال، وقد فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (١) بأنه الشيب، وأيضًا في هذا التفسير نظر، بل النذير هو الرسول، وقد يشيب الإنسان في سن مبكرة فيكون قوي الآلات والأعضاء فلا يكون على إطلاقه نذير موت، وقد يتأخر الشيب في شخص مع وهن الأعضاء وضعف البنية، وتعبير المؤلف بالغالب.
قوله: (ويكره حلق القفا كذلك روي في السنن)
_________________
(١) فاطر: ٣٧.
[ ١٠٥ ]
مراد المؤلف في السنن يعني الأخبار الواردة عن النبي ﵊، وهناك خبر في النهي عن القزع في الصحيحين (١)، وأما النهي عن حلق القفا فلا يصح فيه خبر.
وأما شعر الرأس وأحكامه، فالأصل جواز توفير شعر الرأس، وقد اختلف في توفيره وتوفيته وإكثاره، فقال بعض أهل العلم أنه سنة، بشرط الإكرام والتعاهد، وقالوا أيضًا بشرط أن يكون الإكرام والتعاهد غبًّا؛ (٢) لأن النبي - ﷺ - صح عنه أنه نهى عن الترجل إلا غبًّا، والمراد بالترجل أن يزين
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٥٥٧٦ و٥٥٧٧) ومسلم (رقم: ٢١٢٠) ولفظ البخاري: عن عبيد الله بن حفص: أن عمر بن نافع أخبره، عن نافع مولى عبد الله، أنه سمع ابن عمر - ﵄ - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن القزع. قال عبيد الله: قلت وما القزع؟ فأشار لنا عبيد الله، قال: إذا حلق الصبي وترك ها هنا شعرة، وها هنا، وها هنا، فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته، وجانبي، رأسه. قيل لعبيد الله: فالجارية والغلام؟ قال: لا أدري هكذا قال: الصبي. قال عبيد الله: وعاودته، فقال: أما القصة، والقفا للغلام، فلا بأس بهما، ولكن القزع أن يترك بناصيته شعر، وليس في رأسه غيره، وكذلك شق رأسه هذا وهذا.
(٢) الغِبّ: بكسر المعجمة وتشديد الباء، وهو أن يفعل يومًا ويترك يومًا، والمراد به النهي عن المواظبة عليه، والاهتمام به لأنه مبالغة في التزيين وتهالك في التحسين. حاشية السندي على النسائي - (٨/ ١٣٢).
[ ١٠٦ ]
الإنسان شعره باستخدام الدهن وما يصلح الشعر، أما مجرد التسريح فيجوز في كل وقت للّحية والرأس.
والمراد بالترجل في ألفاظ الحديث النبوي وألفاظ الفقهاء هو: استعمال مادة لإصلاح الشعر من دهن أو نحوه، وأما مجرد استعمال المشط فلا يسمى ترجلًا.
وهذا أحد الأقوال المنقولة عن الإمام أحمد، وقال: إنه سنة ولكن له مؤنة وكلفة، وقد كان النبي - ﷺ - يوفر شعره، وهذه حجة من قال أن توفير الشعر سنة.
وكان - ﷺ - يفرقه من الوسط، وكان يتعاهده بنفسه أو بأهله، كما في خبر عائشة في قصة اعتكافه ﵊، حينما كانت ترجل شعره وهو في المسجد (١)، وقالوا: أنه لم يعهد عنه حلقه إلا في حج أو عمرة، وهذه حجة من اشترط الإكرام، وقالوا أيضًا: أنه قد كان لبعض أصحابه لمّة كأبي قتادة وغيره.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (رقم: ١١٠٨) أحمد (رقم: ٢٤٢٨٤) البخاري (رقم: ١٩٢٤ و١٩٢٥) ومسلم (رقم: ٢٩٧) وأبو داود (رقم: ٢٤٦٩ و٢٤٧١) والترمذي (رقم: ٨٠٤) والنسائي (رقم: ٣٣٧٠).
[ ١٠٧ ]
وقال بعضهم: ليس بسنة، والنبي - ﷺ - مشى على عادة العرب في اتخاذ الشعر، فهو يحكمه العادات.
لكن السنة جاءت بضوابط في إكرامه ودهنه وتنظيفه وألا يكون ثائرًا، ولم تجيء قط بالأمر بتوفيته وإصلاحه وما أشبه ذلك، إنما جاءت بأنه إذا اُتخذ فإنه يفعل به كذا وكذا، وفي الحديث: «من كان له شعر فليكرمه» (١) وهو حديث لا بأس به، وقد بسطت الكلام عليه وتخريجه في شرح منتقى الأخبار يسر الله إتمامه.
ونهي الرسول - ﷺ - عن الترجل إلا غبًّا (٢)، يدل على هذا الشيء، وكان لأبي قتادة لمّة كبيرة فاستأذن النبي - ﷺ - أن يتعاهدها يوميًّا، فأذن له، لأنه كان إذا تعاهدها غبًّا أسرع إليها الشعث، فقيل أنه أذن له لذلك، وقد رواه النسائي من طريق محمد بن المنكدر عن أبي قتادة، وقيل لم يسمع منه مع أن في متنه اختلافًا .. وقد روي عن أحمد ﵀ أن توفير الشعر عن
_________________
(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٤١٦٣) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٦٨) سنده حسن. والبيهقى في شعب الإيمان (رقم: ٦٤٥٥) والطبراني في الأوسط (رقم:٨٤٨٥).
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ١٦٨٣٩) أبو داود (رقم: ٤١٦١) والترمذي (رقم: ١٧٥٦) والنسائي (رقم: ٥٠٥٥ و٥٠٥٦) والطبراني في الأوسط (رقم: ٢٤٣٦) وهذا هو حديث عبد الله بن مغفل وقد اختلف في وصله وإرساله وفيه اضطراب أيضًا، لكن له شاهد من حديث حميد الحميري عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - أيضًا، فبه يثبت الخبر.
[ ١٠٨ ]