يضرب الدف في ثلاثة أحوال: في العرس والعيد وعند قدوم الغائب.
وحكم ضرب الدف مستحب وما تقدم من الأحوال الثلاثة فأدلتها ما يلي:
الحالة الأولى: أمر النبي - ﷺ - به في إعلان النكاح.
الحالة الثانية: في العيد وفيه خبر أبي بكر - ﵁ - لما دخل على النبي - ﷺ - ووجد عنده جاريتين تدففان فزجرهما، وقال: بمزمور الشيطان في بيت الرسول - ﷺ -، فقال: «دعهما فإن لكل قوم عيدا» (١)
ويستفاد من هذا الحديث:
- بيان التعليل بقوله: «إن لكل ..» بعد الحكم بقوله «دعهما» أي لجواز اللعب وإباحته.
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٢٤٠٩٥ و٢٤٩٩٦) والبخاري (رقم: ٩٠٩ و٣٧١٦) ومسلم (رقم: ٨٩٢) والنسائي (رقم: ١٥٩٣) وابن ماجه (رقم: ١٨٩٨) وأبو عوانة (رقم: ٢١٣٨) وأبو يعلى (رقم: ٥٠).
[ ١٩١ ]
- الأصل في الدف المنع إذ لو كان غير ذلك لما ذكر العلة.
- أن الدف يليه النساء وسئل مالك أيضربه الرجال، فقال: إنما يفعله الفساق عندنا. (١)
وأما الحالة الثالثة: عند قدوم الغائب، ودليله عودة النبي - ﷺ - من تبوك حينما ضربت الجارية السوداء الدف عند رأسه - ﷺ -، وقيامها بذلك بنذر نذرته إن عاد النبي - ﷺ - سالمًا، فقال لها: «إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا» (٢) رواه أحمد وغيره من طريق حسين بن واقد عن عبدالله بن بريدة عن أبيه وهذا سند لا بأس به.
ومنهم من خصها للنبي - ﷺ -؛ لأن الفرح به ليس كغيره، وقال بعضهم: للسلاطين، والصحيح العموم لكل غائب بقدر الحاجة.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد (رقم: ١٥٨١) (طبعة: المكتب الإسلامي، دار الخاني - بيروت، الرياض ط١) قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي، قال: حدثنا إسحاق الطباع، قال: سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه بعض أهل المدينة من الغناء، فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ٢٣٣٧٧) والترمذي (رقم: ٣٦٩٠) قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريدة.
[ ١٩٢ ]
وأما مدة ضرب الدف في النكاح فإن كان اليوم التالي وما بعده من مكملات اليوم الأول وتمام الإعلان فلا بأس، وأما الضرب في العيد فيفوت بفوات أيامه.
وأما ما يكون عند الرجال من العرضة للرجال، فكان الشيخ ابن باز في فتاويه القديمة يُسهل في ذلك وأنها لا بأس بها إذا لم يكن فيها دف.
وقد يكون في بعض ذلك تصفيق، والتصفيق فيه الخلاف عند مشايخنا، والصحيح أنه إذا كان عند الحاجة ويسيرًا فلا بأس به، ودليله الحديث الذي أخرجه مسلم حينما قال - ﷺ -: «الشهر هكذا ومد عشرة أصابع ثم صفق ..» (١) الحديث.
وأما ما يحصل به الاتفاق فالأولى تركه ويرى شيخنا ابن باز: أن أقل أحواله الكراهة.
وابن عثيمين يرى إباحته وجوابه عن آية الأنفال في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ الأنفال: ٣٥ أنها سيقت في صلب العبادة، وأما التصفيق للنساء فهو للتنبيه للإمام في الصلاة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٥٠١٧) والبخاري (رقم: ١٨١٤) ومسلم (رقم: ١٠٨٠) وأبو داود (رقم: ٢٣١٩) والنسائي (رقم: ٢١٤٠).
[ ١٩٣ ]
ومما يصلح دليلًا للكراهية على أقل تقدير ما أخرجه أحمد من حديث ابن عباس لما أخبر الرسول - ﷺ - المشركين بعد رجوعه من بيت المقدس ليلة الاسراء وفيه « فاستغربوا ذلك فمنهم الواضع يده على رأسه ومنهم المصفق » فهذا يدل على أن من صفات المشركين التصفيق في غير العبادة، وإسناده لا بأس به.
فائدة:
الفرق بين الطبل والدف: أن الأول مغلق من جهتين ولهذا يكون الإزعاج شديدًا بخلاف الدف فيكون من جهة واحدة وهو أقل صوتًا ويحصل به الإسماع.
قوله: (إذا لم يكن فيها لعب الإجابة)
هذا عام فالمنكر بكل صوره حرام، وأما اللهو: فقد يكون منه ما هو مباح، فينبغي مراعاة المصلحة، وأما الولائم غير الشرعية فتحرم، ومن القدوة أشد؛ لأنه قد يكون فيها شيء من التغرير.
ومن هنا كره بعض أهل العلم، الإتيان إلى الوليمة من غير دعوة؛ لأنه أكل طعامًا وحصل منه إتلافه من غير دعوة فهذا نوع من الغصب، وقد
[ ١٩٤ ]
ذكر أهل العلم - رحمهم الله تعالى - أن الطفيلي في حكم السارق، وجاء فيه أخبار منها: «من جاء من غير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا» (١)
والحضور من غير دعوة قد ينبئ عن دناءة النفس وصغرها.
قوله: (وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ الناس)
نعم هو كذلك، وليس هذا تكبرًا وجفاءً، بل هو لحفظ المروءة وترك ما يسقطها، وأهل المروءات والفضائل إنما يسارعون إلى الفضائل من السخاء والجود وبذل العلم والإعانة في النوائب وهم لهم شأن ومن سواهم له شأن فأفهم.
قوله: (ويستحب للمسلم عيادة يا يهودي)
لاشك في استحباب هذه الأمور، واختلف أهل العلم في عيادة المسلم، ولعل خلافهم في المسلم المعين، واحتج من قال بوجوب عيادة المسلم بأدلة منها ما ثبت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: «حق المسلم
_________________
(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٣٧٤١) والبيهقي (رقم: ١٣١٩٠).
[ ١٩٥ ]
على المسلم ست ومنها: إذا مرض فعده» (١) وفي لفظ: «خمس تجب للمسلم على أخيه » (٢) الحديث.
ويرى البخاري - رحمه الله تعالى - وجوب عيادة المريض، وقد قال في صحيحه: "باب وجوب عيادة المريض"، (٣) وذكر حديث أبي موسى: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني» (٤)
والأشبه أنها واجبة ولكن بشروط، أولها ألا يكون هناك مشقة، وأن يكون هذا المسلم معيّنًا؛ لأن مرضى المسلمين لا حصر لهم، والمشقة تجلب التيسير، وواجبات الشريعة تسقط بالعجز، فقد تكون من الواجبات الكفائية، وعلى ذلك يبدأ بالأقرب فالأقرب.
وهذا الأرجح لما فيها من الخبر العائد على المريض من حسن الظن بالله والتنفيس له بالأجل.
وقول المؤلف: (وتعزية أهله )
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٨٨٣٢) ومسلم (رقم: ٢١٦٢) والبخاري في الأدب المفرد (رقم: ٩٢٥) وأبو يعلى (رقم: ٦٥٠٤) وابن حبان (رقم: ٢٤٢).
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ١٠٩٧٩) والبخاري (رقم: ١١٨٣) ومسلم (رقم: ٢١٦٢) وأبو داود (رقم: ٥٠٣٠) والنسائي (رقم: ١٠٠٤٩) وابن حبان (رقم: ٢٤١).
(٣) صحيح البخاري - (٥/ ٢١٣٩).
(٤) أخرجه البخاري (رقم: ٥٣٢٥).
[ ١٩٦ ]
والتعزية هي التصبير، فتقول: عزّى فلان فلانًا، أي صبره، وعلى هذا المعنى تكون التعزية للمسلم والكافر، وهي مستحبة على الأرجح.
قوله: (ولا بأس بعيادة الذمي؛ فقد عاد النبي - ﷺ - ذمّيًا، وقال: «كيف تجدك يا يهودي» (١)؟
واحتج أهل العلم بهذا وغيره على جواز عيادة المشرك، سواءً كان ذمّيًا أو غيره، وقد عاد - ﷺ - عمّه أبا طالب، وهو في السياق - يعني سياق الموت فقال له: «يا عمّاه، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» فأبى، وقال له صناديد الكفر: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فذهبت روحه وهو يقول: على ملّة عبد المطلب. (٢) والعياذ بالله - ويشترط في عيادة الكافر ألا يكون هذا الكافر المريض حربيًا.
والسنة في عيادة المسلم أن يقال له: لا بأس، طهور إن شاء الله.
وقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الطب: " باب عيادة الأعراب"، (٣) ثم ساق حديث ابن عباس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - عاد أعرابيًا،
_________________
(١) ليس موجودا بهذا اللفظ ولكن معناه ثابت من فعل النبي - ﷺ - وقوله.
(٢) أخرجه البخاري (رقم: ٣٦٧١) ومسلم (رقم: ٢٤).
(٣) صحيح البخاري - (٥/ ٢١٤١).
[ ١٩٧ ]
فقال: «لا بأس، طهور إن شاء الله» فقال هذا الأعرابي: بل حمّى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور. (١)
وفي رواية أخرى عند الطبراني: فقال النبي - ﷺ -: «فنعم إذن» فمات. (٢) والبلاء موكل بالمنطق فعلى الإنسان إذا زار مريضًا أن يقول له كلامًا طيبًا، وقد جاء في حديث أبي سعيد، وإن كان إسناده واهيًا: «إذا دخلتم على المريضِ فَنَفِّسُوا له في الأجلِ، فإن ذلك لاَ يَرُدُّ شيئًا وهو يُطَيِّبُ نفْسَ المريضِ» (٣)، فهذا كلام حسن ولو لم يصح حديثًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٥٣٣٢) وتمامه: عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - دخل على أعرابي يعوده، قال: وكان النبي - ﷺ - إذا دخل على مريض يعوده، قال له: «لا بأس طهور إن شاء الله» قال: قلت طهور؟ كلا بل هي حمى تفور أو تثور على شيخ كبير تزيره القبور. فقال النبي - ﷺ -: «فنعم إذا».
(٢) أخرجه الطبراني (رقم: ٧٢١٣) قال الهيثمي (٣/ ٣٩): رواه الطبراني في الكبير وفيه من لم أعرفه. والحديث ضعيف لجهالة مَخْلَدِ بن عُقْبَةَ بن شُرَحْبِيلَ هو وأبوه عقبة قال العلائي في الوشي: لا أعرف حال عقبة ولا مخلد. (ذكره الحافظ في اللسان ٦/ ٩) وذكره ابن أبي حاتم (٨/ ٣٤٨) ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة (رقم: ١٠٩٥٦١) والترمذي (رقم: ٢٠٨٧) وقال: غريب. وقال في العلل (١/ ٣١٨): سألت محمدًا - يقصد البخاري - عن هذا الحديث، فقال: موسى بن محمد ابن إبراهيم التيمي منكر الحديث وأبوه صحيح الحديث. وأخرجه ابن ماجه (رقم: ١٤٣٨) والبيهقي في شعب الإيمان (رقم: ٩٢١٣) وقال: موسى بن محمد بن إبراهيم يأتي من المنكرات بما لا يتابع عليه، والله أعلم، وروي من وجه آخر أضعف. وقال ابن أبي حاتم - بعدما أورد أحاديث موسى بن محمد بن إبراهيم -: قال أبي هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة، وموسى ضعيف الحديث جدا وأبوه محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من جابر ولا من أبي سعيد، وروى عن أنس حديثا واحدا. علل الحديث لابن أبي حاتم - (١/ ٢٢٦٧).
[ ١٩٨ ]