وقد أخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبدالله بن عمرو -﵄- أنه قال: القعود بين الظل والشمس مقعد الشيطان. (١)
وأخرج أيضًا ابن أبي شيبة عن وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن الجلوس بين الظل والشمس. (٢) وهذا مرسل صحيح، يعني: مرسل إلى قتادة، وهو صحيح إلى قتادة، وقتادة تابعي، وجاء أيضًا هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة، وأيضًا فقد صححه الإمام أحمد وإسحاق بن راهوايه، كما في مسائل المروزي، وقال الإمام أحمد عن حديث الصحابي المبهم: "إسناده جيد"، نقله عنه المنذري.
مسألة: هل النهي عن الجلوس بين الشمس والظل للكراهة أو التحريم؟
بمجموع هذه الطرق الخبر لا بأس به، والذي يظهر لي أنه يكره كراهية شديدة، أو يحرم لأمور:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٦٤٧٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٦٤٧٩) ولكن رفعه إلى النبي - ﷺ - وقتادة تابعي صغير فيحتمل أن يكون أسقط غير الصحابي وكما قالوا: أن أوهى المراسيل قتادة والحسن والزهري لأنهم من صغار التابعين فيحتمل أن تكون روايتهم معضلة. وقتادة أيضًا من المدلسين من الطبقة الثالثة، كما قال الحافظ. تعريف أهل التقديس بمن رمي بالتدليس (ص٦٣و١٤٦ (.
[ ٣٤١ ]
أولًا: نسبته إلى الشيطان، وهذا جاء في كلام عبد الله بن عمرو - ﵁ - الصحيح عنه، وفي رواية الحاكم من طريق عبد الله بن رجاء الغداني، وفيه ذكر مجلس الشيطان، ولها شواهد في المعنى يأتي إن شاء الله ذكرها، وقد قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (١)
ثانيًا: أنه يضر بالجسم، خصوصًا إذا اعتاده الإنسان، قال ابن القيم: (٢) والنوم في الشمس يثير الداء الدفين، ونوم الإنسان بعضه في الشمس وبعضه في الظل رديء.
ثالثًا: وأيضًا فهو منافي للعدل بين الجوارح، فإما أن يكون جميع البدن في الشمس، أو في الظل، وهذا من كمال الشريعة، ولهذا نُهي عن المشي في نعل واحدة، كما في الصحيحين (٣) من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وجاءت تسمية مشية الذي ينتعل بنعل واحدة أنها مشية الشيطان، كما أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار من طريق الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة "أن
_________________
(١) النور: ٢١.
(٢) زاد المعاد (٤/ ٢٤٣).
(٣) أخرجه البخاري (رقم: ٥٥١٨) ومسلم (رقم: ٢٠٩٧).
[ ٣٤٢ ]
النبي - ﷺ - نهى عن المشي في النعل الواحدة وقال: «إن الشيطان يمشي بالنعل الواحدة» (١) وهذا إسناده صحيح، وجعفر بن ربيعة ثقة من رجال الجماعة، ولا يقال إنه خالف أبا الزناد فلم يذكر أن الشيطان يمشي بالنعل الواحدة، فإن هذا مما يحتمل فيه، وجعفر مشهور بالعدالة، ومن رجال الستة.
ووقفت على تقرير طبي نصه: أمر البدن لا يستقيم إلا إذا سار العضو على وتيرة واحدة في جميع أعضاءه، ففي وضع الشمس هناك الأشعة الحمراء التي تسخن الأعضاء، والأشعة دون البنفسجية التي تصبغ الجلد وتحمره، فإذا حصل ذلك في جزء من البدن دون الجزء الآخر ودونما حاجة إلى ذلك، تشوش الدوران، واضطربت وظائف الأعضاء، وهذا ما يحصل عند الجلوس أو النوم بين الظل والشمس.
فالحكمة من هذا أنه مشابه للشيطان، وأنه خروج عن الاعتدال، وقال الذهبي في المهذب في اختصار السنن الكبير على حديث بريدة: أراد بذلك العدل في الجسد كما نهي عن المشي في نعل واحدة عدلًا بين الرجلين.
_________________
(١) أخرجه الطحاوي (رقم: ١١٥٧).
[ ٣٤٣ ]
ويشمل النوم والجلوس وكيفما كان، فلا يكون بين الشمس والظل، ومن أهل العلم من قال: أنك إذا جلست أنه إنما نهي عنه إذا قلص الظل عنه وبدأ يزحف، أما إذا جلست مباشرة بين الشمس والظل فلا بأس، وهذا ليس بصحيح، فإن هذا مصادم للنص.
مسألة: هل هذا يشمل الجالس في مجلس يجب عليه الجلوس فيه كالجالس لخطبة الجمعة؟ نعم، هذا يشمل كل جلوس، سواءً كان هذا الجلوس جلوسًا واجبًا، أو جلوسًا مستحبًا، أو جلوسًا مباحًا، فإنه يتحول ويكون هذا من الأمر الشرعي، فيتحول إذا قلص عنه الظل في مسجد مكشوف، أو في خارج المسجد، فيتحول قدر الاستطاعة
[ ٣٤٤ ]