وفيه دلالة على أن الشارب يقص من أسفل، فتكون الشفة العليا مكشوفة، أما إعفاء الشارب حتى يكثر ويتوفر فالظاهر أنه من الكبائر؛ لأن فيه تشبه بالكفرة الذين يعفون شواربهم ويحلقون لحاهم.
واختلف في السنة في طرفي الشارب، هل توصل باللحية أم لا؟ فمنهم من قال: مباح، من شاء وصل ومن شاء فصل، ومنهم من قال: الفصل أولى، واحتجوا بأن البخاري - ﵀ - علق عن ابن عمر: أنه كان يأخذ طرفي شاربه، ولم يتحرر لي في هذا شيء، فهو مباح، إن شاء أخذ الطرفين، وإن شاء وصلهما باللحية.
قوله: (وإعفاء اللحية) (١)
هذه فيها مسائل:
الأولى: أن العلماء عليهم رحمة الله اتفقوا على تحريم حلق الحية، وهي الشعر النابت على الخدين والذقن، فيشمل عظم اللحي إلى ملتقى العظمين في الذقن، ويشمل ما على الخدين، وخرج بهذا الشعر الذي على
_________________
(١) لا أعلم عصرًا من العصور استمرأ الناس حلق اللحى وأمعنوا فيه بل عوديت فيه اللحى بالحلق التام أو الجز الشديد شبيه الحلق من أهل الإسلام كمثل هذا العصر مع ما في ذلك من مشابهة أهل الشرك والمجوس ومع ما في ذلك من المثلة ومخالفة الفطرة وسنن الأنبياء مع ما في ذلك من التشبه بالنساء، حتى أضحى الموفر لها غريبًا ينظر إليه شزرًا وكأنه مجرم - فسبحان الله العظيم - فليحمد الله على نعمة الاستقامة من رزقها وليسأله المزيد.
[ ٧٥ ]
الحلق، فليس من اللحية، أما الشعر الذي على الفك السفلي فهو من اللحية. فالشعر على الخدين والفكين فهو من اللحية، والعنفقة - وهي الشعر النابت على الشفة السفلى- من اللحية أيضًا؛ كما قال أنس - ﵁ -:
ولم يختضب رسول الله - ﷺ - وإنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نبذ. وهذا استثناء متصل.
ومن المسائل أيضًا مسألة حد الإعفاء، فالأصل في الإعفاء الترك، والإعفاء المراد به التكثير، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (١) أي كثُروا، وقد وردت ألفاظ تدل بمجملها على تركها مطلقًا؛ كما قال - ﷺ -: «أعفوا اللحى» (٢) «أوفوا» (٣) «أرخوا» (٤) «وفروا» (٥) فهذه أربعة ألفاظ تدل على ترك اللحية وعدم التعرض لها، وهذا المذهب الأول في صفة اللحية، واحتجوا أيضًا بأنه صح عن النبي - ﷺ - أن لحيته كانت كثة، واللحية الكثة تدل على كثرة الشعر وطوله، والأخذ ينافي الكثرة والطول، واحتجوا أيضًا بأنه - ﷺ -
_________________
(١) الأعراف: ٩٥.
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ٥١٣٥) والبخاري (رقم: ٥٥٥٤) ومسلم (رقم: ٢٥٩) والنسائي (رقم: ١٥ و٩٢٤٦) والترمذي (رقم: ٢٧٦٣) عن ابن عمر.
(٣) أخرجه مسلم (رقم: ٢٥٩).
(٤) أخرجه مسلم (رقم: ٢٦٠).
(٥) أخرجه البخاري (رقم: ٥٥٥٣).
[ ٧٦ ]
كانت لحيته ترى من خلفه، كما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي معمر وهو عبد الله بن سخبرة قال: سألنا خبابًا بأي شيء كنتم تعرفون قراءة النبي - ﷺ - في صلاة الظهر؟ فقال: باضطراب لحيته. (١)
قالوا: واللحية القصيرة لا تضطرب.
واحتجوا أيضا بما صح عن علي - ﵁ - أن لحيته قد ملأت مابين منكبيه؛ كما قاله الشعبي وحكاه عن علي - ﵁ - وقد أدركه، أخرجه ابن المنذر في الأوسط عنه.
وأما المذهب الثاني في هذه المسألة: أن اللحية الشرعية تكون قبضة، فما فضل يؤخذ شرعًا، واحتجوا بأن ابن عمر - ﵁ -: كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه. روى ذلك عنه مالك في الموطأ، ورواه البخاري من طريقه. (٢) وقد روي عنه غير مقيد في الحج والعمرة. (٣) وقد قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في الفتح: والذي يظهر لي
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٧٦).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (رقم: ٢٧٢٥) والبخاري (رقم: ٥٥٥٣).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٥٩٩٧) وفي الباب عن جابر وفي متنه أبو هلال فيه كلام سئل عنه يحيى بن معين أيهم أحب إليك حماد بن سلمة في قتادة أو أبو هلال، = = فقال: حماد أحب إلي وأبو هلال صدوق. الجرح والتعديل لعبد الرحمن الرازي - (٧/ ٢٧٣) وأورده ابن حبان في الثقات. وفي الباب عن أبي هريرة.
[ ٧٧ ]
أن ابن عمر - ﵁ - كان يفعل ذلك دون التقيد بالنسك. (١)
ولكن نقول أن المحفوظ عن ابن عمر - ﵁ - أنه كان يفعله في الحج والعمرة فقط، وروي عن أبي هريرة - ﵁ - نحوه.
ولكن نقول: هذا لا حجة لهم فيه لأمور: أولًا لأن ابن عمر - ﵁ - هو أحد رواة حديث: «وفروا اللحى».
وابن عمر - ﵁ - له اجتهادات يخالف فيها مرويّه، ويخالف فيها السنة، فهو الذي روى: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا عدة شعبان ثلاثين» (٢) ومع ذلك صح عنه كما في الموطأ وغيره، أنه كان يبعث نافعًا فينظر مع الناس، فإن رأوا الهلال أصبح صائمًا، وإن كانت الدنيا صحوًا ولم يروا الهلال أصبح مفطرًا، وإن كان هناك قتر ولم يُرَ الهلال أصبح صائمًا. (٣) وهذا خلاف ما روى - ﵁ -، وقد كان - ﵁ - يضع الماء في عينيه عند
_________________
(١) فتح الباري - ابن حجر - (١٠/ ٣٥٠).
(٢) أخرجه مالك (رقم: ١٠٠١ و١٠٠٢) والشافعي (رقم: ٤٧٥) وأحمد (رقم: ٤٤٨٨ و٥٢٩٤) والبخاري (رقم: ١٨٠١ و١٨٠٧ و١٨٠٨) ومسلم (رقم: ١٠٨٠) وأبو داود (رقم: ٢٣٢٢) والنسائي (رقم: ٢١١٩) وابن ماجه (رقم: ١٦٥٤).
(٣) أخرجه أبو داود (رقم: ٢٣٢٢) والبيهقي (رقم: ٨١٧٧).
[ ٧٨ ]
الغُسل حتى عمي - ﵁ -. (١) وقد كان - ﵁ - في الحج يدّهن بدهن غير مطيب. (٢) مع أنه - ﷺ - كما في الصحيح كان يدّهن بالمسك ويتضمخ به، (٣)
وقد كان ابن عمر - ﵁ - شاهدًا، ولكنه كان يشدد على نفسه - ﵁ -، فنقول في مسألة اللحية: أن ابن عمر - ﵁ - خالف المعلوم من السنة في هذا، ولا يجوز لنا أن نختزل السنة كلها في فعل ابن عمر - ﵁ -، ونقول أيضًا للذين يرون القبضة: ما استدللتم به هو في الحقيقة دليل عليكم، فإن ابن عمر - ﵁ - حينما كان يحج ويعتمر ويأخذ الزيادة على القبضة فهذا يدل على أنها تطول وتتسع ثم بعد ذلك يأخذ منها، وهذا يدل على طولها وتجاوزها القبضة، وإلا فلو كان يتعاهدها لما كانت تتعدى القبضة، والأمر الثاني أن ابن عمر - ﵁ - لم يكن داعية إلى هذا الشيء كما هو فعل الكثير الآن، والدعوة لأخذ ما زاد على القبضة بدعة، وقد روي عن ابن عباس أنه كان يأخذ من لحيته في الحج، وتأول قوله تعالى ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا﴾ والإجابة عنه مثل الإجابة عن أثر ابن عمر، والمقبضون في عصرنا في الحقيقة يشرقون بصريح
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (رقم: ٩٩١) وابن أبي شيبة (رقم: ١٠٧٥) والبيهقي (رقم: ٨٧٠).
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ٤٧٨٣ و٥٢٤٢) وابن ماجه (رقم: ٣٠٨٣) والترمذي (رقم: ٦٩٢) وابن خزيمة (رقم: ٢٦٥٢) وقد روي مرفوعًا وموقوفًا، فهو مرفوعًا ضعيف فيه فرقد السبخي قال ابن خزيمة: وهم في رفعه، وهو صحيح موقوف.
(٣) أخرجه مسلم (رقم: ١١٩٢).
[ ٧٩ ]
دلالة الأثرين، فلا يقولون بمقتضاهما من كل وجه، ففرق بين التعاهد (لزوم التقبيض)، وبين الأخذ في الحين بعد الآخر، أو في الحج أو العمرة، فمن لم يفهم هذا فليسكت، وأعظم من هذا الدعوة إلى التقبيض وأعظم منه الإنكار على من تركه وهذه من طوام الخلف ومتفقهة هذا الزمان، فواعجبًا
المذهب الثالث في هذه المسألة: أنه يجوز أخذ ما شذ ونفر وآذى من اللحية، وهذا لا ينافي الإعفاء في الحد والحقيقة فهو راجع إلى القول الأول، وهذا الذي بيّنه فعل السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره، فالمنقول عن السلف قولان التقبيض أحيانًا، وهذا القيد لابد منه أعني أحيانًا، وهذا القول الذي حكيته أخيرًا، فصار خلاصة مذهب السلف في المسألة قولان سائغان وإن كان أحدهما أرجح من الآخر، أما القول بأن أخذ شعرة واحدة محرم فهذا فيه نظر، بل لا يصح، فيجوز للإنسان أن يأخذ من شعر لحيته ما علم أنه زائد وشاذ، أو كانت لحيته طويلة تدخل في طعامه وشرابه، دون التقصيص الكثير الذي ينافي الإعفاء، فمتى كان القص منافيًا للإعفاء حرُم، ومما يجلي ذلك، وتقدم ذكره حديث المغيرة السابق وأن شاربه قد وفى: أي طال فتأمل هذه اللفظة مع قوله - ﷺ -: أوفوا: أي طوِّلوا، فدلّ على أن القص ينافي التوفية وكذا ما ثبت في الصحيحين «جزوا الشوارب» و«قصوا الشوارب» و«أعفوا اللحى» يدل على أن
[ ٨٠ ]
الإعفاء ينافيه القص أو الجزّ ومثله في سنن الفطرة «قص الشارب، وإعفاء اللحية »
فمن قال: إن الإعفاء والتقصيص يجتمعان فهذا وسواس فليستعذ بالله منه فإنه يذهب عنه إن شاء الله، ومما يؤيد ذلك زيادة على ما تقدم ما أخرجه أحمد بسند لا بأس به (٥/ ٢٦٤) ورقم (٢٢٢٨٣) من طريق عبد الله بن العلاء بن زبرحدثني القاسم قال: سمعت أبا أمامة يقول: خرج رسول الله - ﷺ - على مشيخة من الأنصار الحديث وفيه: فقلنا يارسول، إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفَّرون سبالهم! قال: فقال النبي - ﷺ - «قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب»
والعثانين: جمع عُثنون وهي اللحية، والسَّبال: الشوارب.
وهذا فيه فوائد: المنع من تقصيص اللحى لأنه من التشبه باليهود والنصارى وهذه آفة غير مخالفة أمر الشارع كما تقدم.
وفيه من الفوائد: أن القصّ ينافي التوفير لأن النبي - ﷺ - جعل هذا بإزاء هذا.
قوله: (والتي في الجسد: حلق العانة، ونتف الإبطين، وتقليم الأظفار، والاستنجاء، والختان) وهذه الأشياء كلها تؤخذ.
وقوله: (حلق العانة، ونتف الإبطين)
[ ٨١ ]
أي حلق شعر العانة، وهو شعر القبل من الذكر والأنثى، ونتف الإبطين.