قال بعض أهل العلم: أن الإنسان إذا سُلم عليه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، فله أن يرد بما جاء من زيادة فضل في رد السلام، وهو أن يقول: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته"، وذلك لما رواه البيهقي في الشعب، وابن عدي في الكامل والبخاري في التاريخ الكبير، من طريق إبراهيم المختار عن شعبة عن عون بن سعد عن أمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم - ﵁ -، قال: كان النبي - ﷺ - إذا سلم علينا فرددنا ﵇، قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته. (١)
ولكن هذا الحديث فيه أكثر من علة:
العلة الأولى: هي تفرد إبراهيم المختار وقد نبه على هذه العلة البيهقي في شعب الإيمان، فقال: رواه عن شعبة من ليس بالمعروف أو ليس بالمشهور، وأيضًا يرويه عن إبراهيم بن المختار محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، فالصحيح أنه لا يثبت بعد البركة خبر، وأن زيادة ومغفرته ليس
_________________
(١) التاريخ الكبير (رقم: ١٠٣٧)، الكامل لابن عدي (٧/ ١٢٧) شعب الإيمان (رقم: ٨٤٩١). وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٦) أخرجه البيهقي في الشعب بسند ضعيف من حديث زيد بن أرقم. ا. هـ.
[ ٢٢ ]
لها أصل في الأحاديث النبوية، وقد أنكرها جماعة من الصحابة، فقد صح عن ابن عباس - ﵁ - كما أخرج ذلك مالك في الموطأ: "عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك أيضًا،
قال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة. (١)
وجاء ذلك أيضا عن ابن عمر ﵄، بسند صحيح كما عند عبد الرزاق في مصنفه: أن رجلًا كان يلقى ابن عمر فيقول السلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته ومعافاته، قال: يكثر من هذا. فقال له ابن عمر: وعليك مئة مرة لئن عدت إلى هذا لأسوءنك. (٢)
فابن عمر قالها لمن سلم عليه: السلام عليكم ورحمة الله ومغفرة. وإن كانت في الابتداء ولكنه أنكرها.
_________________
(١) الموطأ (رقم: ٣٥٢٥).
(٢) مصنف عبد الرزاق (رقم: ١٩٤٥٣).
[ ٢٣ ]
وجاء أيضا عن عمر بن الخطاب - ﵁ - كما عند البيهقي في (الشعب) قال: انتهى السلام إلى وبركاته. ورجاله ثقات. (١)
وقد استدل ابن عباس - ﵁ - أن السلام قد انتهى إلى البركة بآية هود: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ (٢)
كما أخرج ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره: أن عطاء بن أبي رباح، قال: إن ابن عباس أتاهم يوما في مجلس، فسلم عليهم فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته فقال: من هذا؟ فقلت: عطاء فقال: انته إلى بركاته قال: ثم ذكر هذه الآية. (٣)
فالصحيح أن زيادة مغفرته وغيرها من الألفاظ (ومرضاته ومعافاته) لا يثبت فيها شيء، وحينئذٍ يكون الرد بهذه الصفة غير مشروع، وعليه فنقول إذا سُلِّم عليك: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، فليس لك إلا هذا الخيار، وهو الرد عليه إلى البركة فقط؛ كما جاء ذلك عن عروة بن
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٦).
(٢) هود: ٧٣.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (رقم ١١٠٣١) وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٤٤).
[ ٢٤ ]
الزبير عند البيهقي في الشعب بسند صحيح: أن رجلا سلم عليه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال عروة: ما ترك لنا فضلًا، إن السلام انتهى إلى: وبركاته. (١)
وجاء في فضل درجات هذا الرد ما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من حديث عمران بن حصين: أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، فقال: السلام عليك، ثم قال: «وعليكم السلام» ثم قعد، فقال: «عشر»، ثم سلم عليه مرة أخرى رجل آخر، فقال: «السلام عليك ورحمة الله» ثم قعد فرد عليه، وقال: «عشرون» ثم سلم عليه آخر، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ثم قعد، فرد عليه، ثم قال: «ثلاثون» (٢) وهذا هو القدر المحفوظ من حديث عمران.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (رقم: ٩٠٩٦).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٩) وأبو داود (رقم: ٥١٩٧)، النسائي في الكبرى (رقم: ١٠١٦٩) والترمذي (رقم: ٢٦٨٩) الدارمي (رقم: ٢٦٦٩) من حديث عمران بن الحصين وقال البزار في مسنده (رقم: ٣٥٨٨): وهذا الحديث قد روي نحو كلامه، عن النبي - ﷺ - من وجوه، وأحسن إسناد يروى في ذلك عن النبي - ﷺ - هذا الإسناد، وإن كان قد رواه من هو أجل من عمران فإسناد عمران أحسن) أ. هـ. وقال البيهقي في الشعب (رقم: ٨٤٨٠) إسناده حسن. وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٦): سنده قوي، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (رقم: ٩٨٦) وابن حبان في صحيحه (رقم: ٤٩٣) من حديث أبي هريرة.
[ ٢٥ ]
وأخرج أبو داود في سننه من حديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن النبي - ﷺ - بمعناه -أي بمعنى حديث عمران - زاد: ثم أتى آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: «أربعون» قال: «هكذا تكون الفضائل» (١) ولا يصح.
قوله: (ولا يستحب الزيادة على ذلك)
وهذا هو الصواب كما قررنا فيما تقدم.
ثم قال المؤلف: (ويستحب ورحمة الله أو ردوها).
الصواب أنه ليس بمستحب، فما المانع إن أُسلمَ سلامًا كاملًا، ويردُ علي السلام كاملًا، ففي كلام المؤلف هنا نظر.
ثم قال المؤلف: (وإذا سلم ثم حال ورضي عنهم.)
ما ذكره المؤلف هنا هو نص حديث عند أبي داود من حديث معاوية بن صالح عن أبي موسى عن أبي مريم عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه أيضا. وقال معاوية وحدثني عبد الوهاب بن بخت عن أبي
_________________
(١) أخرجه أبو دواد (٥١٩٨) والطبراني في الكبير (رقم: ٣٩٠) قال الحافظ في الفتح (١١/ ٨) سنده ضعيف.
[ ٢٦ ]
الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -، مثله سواء. (١) وهذا الإسناد حسن في الشواهد، وقد جاء ما يشدهُ كما أخرج الطبراني من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: كنا إذا كنا مع رسول الله - ﷺ - فتفرق بيننا شجرة، فإذا التقينا سلم بعضنا على بعض. رواه الطبراني بإسناد حسن. (٢)
ومن المعلوم أن السلام مشروع عند التلاقي، والتلاقي أعم من أن يكون له صورة واحدة، وأعم من أن يكون غياب عن النظر، وقد تلتقي به بعد أن فارقته ولم يغب عن ناظريك، وقد كان هذا هو هدي الصحابة - ﵃ - كما تقدم عن أنس، أنهم إذا كانوا يمشون وكان بينهم جدار أو شجرة أو ما شابه ذلك والتقوا بعد ذلك، يسلم بعضهم على بعض، تحقيقًا لقول النبي - ﷺ -: «إذا لقيته فسلم عليه» (٣)
_________________
(١) سنن أبي داود (رقم: ٥٢٠٠) والبخاري في الأدب المفرد (رقم: ١٠١٠) وأبو يعلى (رقم: ٦٣٥٠) والبيهقي في الشعب (رقم: ٨٤٦٨).
(٢) الطبراني في الأوسط (رقم: ٧٩٨٧) وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (رقم: ٤٤٩٤) والبخاري في الأدب المفرد (رقم: ١٠١١) والبيهقي في الشعب (رقم: ٨٨٦١) وابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم: ٢٤٥) قال الحافظ في التلخيص (٤/ ٩٣): رواه الطبراني بسند حسن.
(٣) سبق تخريجه ص.
[ ٢٧ ]
وفي هذا من الفوائد أنه يشرع السلام وإن لم تتحقق صورة الانفصال والغياب عن النظر، ومن الأدلة على هذا حديث المسيء صلاته (١)، فإنه أتى وصلى صلاة ليست بشرعية، ثم أتى النبي - ﷺ - فسلم عليه، فقال النبي - ﷺ -: وعليكم السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل» فذهب الرجل يصلي والنبي - ﷺ - ينظر إليه، بدليل أنه لما رجع، قال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» وسلم مرة ثانية وأقره النبي - ﷺ - على السلام، وفي هذا دلالة على شرعية السلام عند المفارقة العرفية، وإن لم تتحقق صورة الانفصال والبعد عن النظر، ومعلوم أن الإنسان إذا التقى بشخص في مكان واسع، ثم ذهب أحدهم ثم رجع فإننا نقول: فارقه، وفي البيوع تقرر ذلك حين المفارقة العرفية. وعليه فإذا تمت المفارقة العرفية وتحققت صورة الانفصال عن مسمع أو مرأى فيشرع السلام حينئذ عند التلاق.
ثم قال المؤلف: (ويكره السلام التجائر والصنائع)
سبق أن ذكرنا أن السلام مشروع بعامة، وهو من حق المسلم على أخيه، فهل هذا يشمل السلام بين الرجال والنساء؟
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٧٢٤ و٧٦٠) ومسلم (رقم: ٣٩٧) وغيرهما.
[ ٢٨ ]