أعظم المصائب شماتة الأعداء، وعداوة الشيطان قديمة من يوم (أَبَى وَاستَكبَر) وحسد إبليس من يوم (أَتَجعَلُ) وفرح النظراء بك أعظم الكل، وما انتقم منك حاسد بأكثر من تفريطك، ولا انتقمت منه بأعظم من تقويمك، فالحظ كيف أبت نفسك الحظ وأنلت الحاسد المراد:
ما بَلغَ الأعداءَ مِن جاهِلٍ ما بَلَغ الجاهِلُ مِن نَفسِهِ
ويحك تبصر عن الهوى تحمد عواقب السلامة
فإِنّ المَرءَ حينَ يَسُرّ حِلوٌ وَإِنّ الحِلوَ حينَ يَضُرُ مُرُّ
فَخُذ مُرًّا تُصادِف عَنهُ حِلوًا وَلا تَعدِلُ إلى حِلوٍ يَضرُّ
إياك والذنوب، فلو لم يكن فيها إلا كراهة اللقاء كفىعقوبة. أطيب الأشياء عند " يعقوب " رؤية " يوسف " وأصعبها عند إخوته لقاؤه. إذا كان القلب نقيا ضج لحدوث المعصية، فإذا تكررت مرت عليه ولم ينكر، كانت الخطيئة عنده غريبة فاستوحش، فلما صارت بليد الطبع لم ينفر.
لابس الثوب الأسود لا يجزع من وقوع الحبر عليه، يا جرحى الذنوب قد عرفتهم المراهم، إن لم تقدروا على أجرة نائحة فنسكوا رؤوس الندم، فما يخفى صاحب المصيبة، فإن فاتكم عز " معاذ " فلا تعجزوا عن ذل الثلاثة الذين خلفوا.
خذوا دليل العزم إن لم تعرفوا سبيل الوصول، فلعل حيرة الطالب توقعه على ماء " مدين " سيروا في بوادي الدجى، وأنيخوا بوادي الذل في كسر الإنكسار، وأصيخوا بأسماع اليقظة لعل حداء الواصلين تحرك أطراب القلوب، لا بل ربما عوق السائرون لوصول المنقطع، فكم قد صار في الرعيل الأول من كان في الساقة؟ لا تملوا الوقوف ولو طردتم، ولا تقطعوا الإعتذار وإن رددتم، فإن فتح باب للواصلين دونكم اهجموا هجوم الكدائين، ونكسوا رؤوس الفقر، وابسطوا أكف (وَتصَدَق عَلَينا) لعل هاتف القبول يقول: (لا تَثريبَ عَلَيكُم) .
وَإذا جِئتُم ثَنياتِ اللَوى فَلَجوا ربعَ الحِمى في خَطري
وَصَفوا شَوقي إِلى سُكانِهِ وَاذكروا ما عِندَكُم مِن خَبَري
وَحَينَني نَحو أَيامٍ مَضَت بِالحُمى لَم أَقضِ مِنها وَطَري
كُلَما اِشتَقَتُ تَمَنَيتُكُم ضاعَ عُمري في المُنى واعمري
؟ الفصل الخامس والعشرون محبة الله سبحانه
[ ١٥ ]
الجنة ترضي منك بالزهد، والنار تندفع عنك بترك الدنيا، والمحبة لا تقنع إلا بالروح، إن سلطان المحبة لا يقبل الرشا. أيها الطالب لي: اخرج إليّ عنك، قلبك ضعيف لا يفي بي وبك، إما أنت وإما أنا، افقد نفسك تجدني. لما نسي " الخليل " نفسه قويت صولته يوم " أما إليك فلا " ما سلك قط طريقا أطيب من تلك الفلاة التي دخلها عند انفصاله من المنجنيق. زيارة تسعى فيها أقدام الرضى على أرض الشوق شابهت ليلة " فزجني في النور " فقال: (ها أَنتَ وَرَبُك) .
زُرناكَ شَوقًا وَلَو أَنّ الفُلا بُسِطَت نَشرُ الفُلا بَينَنا جَمرًا لَزُرناكَ
لاحت أوصاف الصانع في جمال الكمال، فأُشربت قلوبهم حبه، فصاح غلاء الثمن.
بدم المحب يباع وصلهم.
فأجاب عزم المحبة: وما غَلَت نَظرَةٌ مِنكُم بِسَفكِ دَمِ قلبهم الحب في قفر على أكف البلاء، فقطع أوداج الأغراض بسكين المسكنة، والمحبوب يقول (أَتَصبِرون) والأرواح تجيب: (لا ضَيرَ)
شَغَلتُ نَفسي وَقَلبي في مَودَتِكُم لا خَلَّص اللَهَ روحي مِن محَبَتِكُم
ها قَد غَضِبتُ عَلى نَفسي لأجلِكُم حَتى جَفوتُ حَياتي بَعدُ جَفوَتِكُم
إِذا تَلَهَّبَ جَمرُ الشَوقِ في كَبَدي أَطفاهُ ماءُ التَلاقي عِندَ رُؤيَتِكُم
غاب القوم عن وجودهم شغلا بموجدهم طرق طارق باب " أبي يزيد " وقال: ههنا أبو يزيد؟ فصاح أبو يزيد: أبو يزيد يطلب أبا يزيد فما يراه!!!؟ لا يعرف رموز الأحباب إلا مجانس، سل ليلى عن حال المجنون؟ بلغت بهم المحبة إلى استحلاء الآلام لعلمهم أنها مراد الحبيب.
وكل ما يفعل المحبوب محبوب لما طعن " حرام بن ملحانط قال: فزت ورب الكعبة.
ضني:سويد بن شعبة " على فراشه فكان يقول: والله ما أحب أن الله نقصني منه قلامة ظفر.
تَعجَبوا مِن تَمنّي القَلبِ مؤلَمَهُ وَما دَروا أَنّهُ أَحلى مِنَ العَسَلِ
المحبوب محبو وإن عذب. استقرت جبال المحبة في أرض القلوب، فلم تزعزعها عواصف البلاء.
أمر " الحجاج " بصلب " ماهان " العابد فوق خشبة، فصلب وهو يسبح ويعقد بيده حتى بلغ تسعا وعشرين، فبقي شهرا ويده على ذلك العقد.
لُتحشرنَّ عِظامي بَعدَما بَكيتُ يَومَ الحِسابِ وَفيها حُبُّكُم عَلَقُ
إذا وقعت المعرفة في القلب سهل البلاء، فإن مازجتها المحبة فلا أثر للبلاء، لأن المحب يستلذ إذن كل أذى.
عَذابُهُ فيكَ عَذبُ وَبَعدَه فيكَ قُربُ
وَأَنتَ عِندَهُ كَنَفسي بَل أَنتَ عِندي أَحبُّ
مروا على مجذوم قد قطعه الجذام فقالوا: لو تداويت، فقال: لو قطعتني قطعا، ما ازددت له إلا حبا.
وَاعجَبًا ما للِعُذولِ وَمالَهُم قَد رَضيَ المَقتولُ كُلَّ الرِضا