لما قضيت في القدم سلامة " سلمان " حملته صبا الصبا نحو الدين، كان أبوه على اعتقاد المجوس، فعرج به دليل التوفيق إلى دير النصارى، فأقبل يناظر أباه فلم يكن لأبيه جواب القيد، وهذا الجواب المرذول قديم من يوم (أَنا أُحيي وَأُميت)، (ثُمّ نُكِسوا) (قالوا حَرِقوهُ) فنزل في البداية ضيف (وَلَنَبلونَكُم) ولولا مكابدة البلاء ما نيلت مرتبة (رب أشعث أغبر، لو أقسم على الله لأبره) فسمع أن ركبا على نية السفر، فسرق نفسه من حرز أبيه ولا قطع، فركب راحلة العزم يرجو إدراك مطلب الغنى، وغاص في مقر بحر البعث ليقع على بدرة الوجود، فصاح به الهوى: إلى أين؟ فقال (إِنى ذاهبِبٌ إِلى رَبي) وقف نفسه على خدمة الأدلاء، وقوف الأذلاء.
فلما أحس الرهبان بانقراض دولتهم، زوده سفره إلى طلب علم الأعلام على علامات نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، وقالوا: قد آن زمانه وأظل، فاحذر أن تضل، فإنه يخرج بأرض العرب، ثم يهاجر إلى أرض بين حرتين، فلو رأيته قد فلى الفلاة، والدليل شوقه، والحنين يزعجه، والتلهف يقلقه
وَأَبغَضتُ فيكَ النَخلَ وَالنَخلُ يانعٌ وَأَعجَبَني مِن حُبِكَ الطَلحُ وَالضالُ
وَأَهوى لِجَرّالُ السَّمَاوَةَ وَالفَضى وَلو أَنّ صَنفِيَةَ وَشاةٍ وعُذالُ
رحل مع رفقة لم يرفقوا به (فَشَروهُ بِثَمَنٍ بَخس) فاشتراه يهودي بالمدينة، فانجبر انكسار رقه بإنعام " سلمان منا " وتوقد شوقه برؤية الحرتين، وما علم المنزل بوجد النازل.
أَيَدري الرَبعُ أَيَ دَمٍ أَراقا وَأَيَّ قُلوبٍ هَذا الرَكبُ ساقا؟
لَنا وَلأَهلِهِ أَبدًا قُلوبُ تَلاقى في جُسومِ ما تَلاقى!!
فبينما هو يكابد ساعات الانتظار جاء البشير بقدوم الرسول، و" سلمان " في رأس نخلة، فكاد القلق يلقيه لولا أن الحزم أمسكه، كما جرى يوم (إِن كادَت لَتُبدي بِهِ) ثم عجل النزول ليلقي ركب البشارة، وأي ثبات بقي ليعقوب في حال (إِني لأجد) .
خَليليَّ مِ، نَجدٍ قَفاني عَلى الرُّبافَقَد هَبَ مِ، تِلكَ الرُسومِ نَسيمُ طف صالح به المالك: مالك وهذا؟ انصرف إلى شغلك.
كيف انصرافي ولي في داركم شغل ثم أخذ يضربه، فأخذ لسان حال المشوق يترنم، لو سمع الأطروش؟
خَليليَّ لا وَاللَهِ ما أَنا مِنكُما إذا عَلَمٌ مِن آَلِ لَيلى بَدا لِيا