لم يعرف الإسلام عيش أطيب من عمل اليد.
قال النبي الكريم - ﷺ -: ما أكل ابن آدم طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده. "وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده".
وذكر سيدنا داود بالذات (مع أن معظم الأنبياء كانت تأكل من عمل يدها) لأن داود ﵇ كان نبيًا وملكًا وصانعًا. قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
(سورة سبأ)
[ ٥٥ ]
ويفهم من الآية الكريمة حرص الإسلام على دقة الصناعات وإتقانها فالدروع التي يصنعها سابغات.
ولابد أن يقدِّر في سرد الحديد فلا يقطع قطعة بدون حساب وتقدير.
إنَّ دقَّةَ العمل وإتقانَه مطلبٌ من مطالب الإسلام الأولى. لأن الله يحبُّ إذا عمل أحدُكم عملًا أن يتقنَه.
وعملُ اليد في الإسلام هو أطهر رزق.
وقد سئل النبي - ﷺ - أي الكسب أفضل؟
قال عمل الرجل بيده. وكل بيع مبرور.
لأن التاجرَ الصدوق مع النبيين والصدقيين.
وقد كان النبي يفتش في الأسواق بنفسه ليكرَّم التاجرَ الصدوق ويتوعد الكذاب الغشاش.
[ ٥٦ ]
إن عمل الرجل علامة على إسلامه. ودليل على استحقاقه شرف الخلافة التي تمنَّتْهُ الملائكة.
* * *
وقد كرّم النبي - ﷺ - اليدَ العاملة.
فعندما دخل رجل على رسول الله - ﷺ - مدَّ النبيُّ يدَه ليصافح الرجل فاعتذر الرجل لخشونة يديه من أثر العمل. ولكن النبيَّ الكريم أخذ يدَ الرجلِ وقال له: هذه يدٌ يحبُّها اللهُ ورسولُه.
وأخبر النبيُّ العظيمُ أنه مَنْ باتَ كالًاّ مِن عمل يده بات مغفورًا له.
* * *
ويكره التسول
وبمقدار تكريم الإسلام لليد العاملة بمقدار ما يكره التسول "مهما كانت صور التسول" لأن التسول تطفل على أموال العاملين.
[ ٥٧ ]
لقد جيء برجل ميت إلى النبي - ﷺ - ليصلي عليه فقال النبي الكريم:
كم ترك؟ قالوا: دينارين أو ثلاثة.
قال: ترك كيَّتين أو ثلاث كيَّات "أي بالنار"
والسبب أن الرجل كان متسولًا وعنده من المال ما يكفيه.
* * *
هذا وللإمام الحقُّ أن يصادر أموالَ المتسولين إذا استزادوا بالتسول لمجرد شهوة الجمع.
وقد مرَّ عمر بن الخطاب على رجلٍ متسولٍ فقال له عمر: ماذا تحت ثيابك؟
فلما رآه خُبزًا أمر بمصادرة الخُبز وإعطائه لخيل المسلمين.
* * *
إنَّ اليدَ العاطلة يكرهها الإسلام مهما كان السبب ولو كان السبب هو التفرغ للعبادة.
[ ٥٨ ]
وعندما رأى النبي - ﷺ - الشاب يواصل صلاته في المسجد وأخوه ينفق عليه قال النبي الكريم - ﷺ -:
"أخوه أفضل منه".
ولم يكتفِ الإسلامُ بالعلاج السلبي للمشكلة فعندما جاء رجل يسأل النبي - ﷺ - الصدقة (وفيه قدرة على العمل) أحضر له النبي "فأسًا" وصنع النبي لها يدًا وقال له:
"خذ هذه الفأسَ واحتطب خمسة عشر يومًا لا أراك فيها".
ثم جاء الرجل ومعه من المال ما يسَّر الله به من بيع الحطب. لقد أصبح طاقة منتجة، وعضوًا نافعًا. بعد إن كان طفيليًا يأكل سُحْتًا.
إنَّ السؤالَ لا يحل للرجل إلا في أمور ثلاثة "كما بين النبي الكريم"
* رجل تحمل حمَّالة "أي غُرما في صلح بين اثنين" فتحل له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك.
[ ٥٩ ]
* ورجل أصابته جائحة اجتاحت مالَه فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش.
* ورجل أصابته فاقةٌ فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش.
فما سواهن "يا قبيصة" فَسُحْتٌ يأكلها صاحبها سُحْتًا".
[ ٦٠ ]