وقد أشار النبيّ ﷺ في هذه الأحاديث المُشار إليها في أول الجزء من رواية عائشة وأبي هريرة ﵄ إِلَى أنَّ أحبَّ الأعمال إِلَى الله ﷿، شيئان:
أحدهم: ما داوم عليه صاحبه وإن كان قليلًا.
وهكذا كان عمل النبيّ ﷺ وعمل آله وأزواجه من بعده، وكان ينهى عن قطع العمل.
وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: "لا تكُنْ مثلَ فلانٍ كان يقومُ الليلَ فترك قيام الليل" (١).
وقال: "يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَلْ فيقول: قد دعوت فلم يُسْتجب لي فيستحسر عنيد ذلك ويَدَع الدعاء" (٢).
قَالَ الحسن: إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداومًا عَلَى طاعة الله ﷿ فبغاك وبغاك، فرآك مداومًا مَلَّكَ ورفضك، وإذا رآك مرةً هكذا ومرةً هكذا طمع فيك.
والثاني: أنَّ أحبَّ الأعمال إِلَى الله ما كان عَلَى وجه السداد والاقتصاد والتيسير دون ما كان عَلَى وجه التكلف والاجتهاد والتعسير.
كما قَالَ تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨٥).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥/ ٩٢).
[ ٤ / ٤٠٩ ]
وكان النبيّ ﷺ يقول: "يسِّروا ولا تعسِّروا" (١).
وقال: "إِنَّمَا بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (٢).
وفي "المسند" (٣) عن ابن عباس قيل لرسول الله - ﷺ -: أيُّ الأديان أحبُّ إِلَى الله ﷿؟ قَالَ: "الحنيفية السمحة".
وفيه أيضًا (٤) عن مِحْجَن بن الأدرع أن النبيّ ﷺ دخل إِلَى المسجد فرأى رجلًا قائمًا يصلّي فَقَالَ: "أتراه صادقًا؟ ".
فقيل: يا نبي الله هذا فلان، هذا من أحسن أهل المدينة، ومن أكثر أهل المدينة صلاة.
فَقَالَ: (لا تُسْمِعه) (*) فتُهلكه -مرتين أو ثلاثًا- إنكلم أمة أُريد بكم اليسر".
وفي رواية أخرى له (٥) قَالَ: "إن خير دينكم أيسره".
وفي رواية أخرى له (٦) قَالَ: "إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة".
وخرجه حميد بن زنجويه وزاد فيه فَقَالَ: "واكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا، وعليكم بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة".
وفي "المسند" (٧) عن بُريدة قَالَ: خرجتُ فإذا رسول الله -ﷺ- يمشي،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٩)، ومسلم (١٧٣٤) عن أنس مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٠) عن أبي هريرة مرفوعًا.
(٣) (١/ ٢٣٦)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٦٠): رواه أحمد والطبراني في "الكبير"، و"الأوسط"، والبزار وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس ولم يصرح بالسماع.
(٤) في "المسند" (٥/ ٣٢). (*) لا تسمعوه: "نسخة".
(٥) في "المسند" (٤/ ٣٣٨).
(٦) في "المسند" (٤/ ٣٣٧). وقال الهيثمي (٩/ ٣٦٩): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٧) (٥/ ٣٥٠)، وقال الهيثمي (١/ ٦٢): رواه أحمد ورجاله موثقون.
[ ٤ / ٤١٠ ]
فلحقته فإذا نحن بين (أيدينا برجلٍ) (*) يصلّي يكثر الركوع والسجود.
قَالَ. "أتراه يرائي؟ "
قلت: الله ورسوله أعلم.
قَالَ: (فترك) (**) يدي من يده ثم جمع بين يديه فجعل يصوّبهما ويرفعهما ويقول: "عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا فإنَّه من يشادَّ هذا الدين يغلبه".
وقد رُوي من وجه آخر مرسلًا، وفيه أن النبيّ ﷺ قَالَ: "إن هذا آخذ بالعسر ولم يأخذ باليسر" ثم دفع في صدره فخرج من المسجد ولم يُر فيه بعد ذلك.
وقد أنكر النبيّ ﷺ عَلَى من عزم عَلَى التبتل والاختصاء وقيام الليل، وصيام النهار، وقراءة القرآن كل ليلة، كعبد الله بن عمرو بن العاص وعثمان بن مظعون والمقداد وغيرهم، وقال: "ولكني أصومُ وأفطرُ، وأقومُ وأنامُ، وأتزوجُ النِّساءَ، فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس منِّي" (١).
وانتهى بعبد الله بن عمرو أن يقرأ القرآن في كل سبع، وفي رواية أنّه انتهى به إِلَى قراءته في كل ثلاث، وقال: "لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث"، وانتهى به في الصيام إِلَى صيام داود، وقال: "لا صيام أفضل من ذلك"، وفي القيام إِلَى قيام داود ﵇ (٢).
_________________
(١) (*) يدي رجل: "نسخة". (**) غير واضحة بالنسختين الخطيتين، ونقلتها من المسند.
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٥٢)، ومسلم (١١٥٩).
[ ٤ / ٤١١ ]