قوله - ﷺ -: "اغدوا ورُوحوا وشيء من الدُّلجة"، كقوله في الرواية الأخرى: "استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
يعني أن هذه الأوقات الثلاثة تكون أوقات السير إِلَى الله بالطاعات وهي آخر الليل وأول النهار وآخره.
وقد ذكر الله ﷾ هذه الأوقات في قوله تعالى:
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥ - ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠].
وذكَرَ الله تعالى الذِّكر في طرفي النهار في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال تعالى -في ذكر زكريا عليه
السلام: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١].
فهذه الأوقات الثلاثة منها وقتان وهما أول النهار وآخره يجتمع في كل من هذين الوقتين عمل واجب وعمل تطوع، فأما العمل الواجب فهو صلاة الصبح وصلاة العصر وهما أفضل الصلوات الخمس، وهما البردان اللذان من حافظ
[ ٤ / ٤١٨ ]
عليهما دخل الجنة، وقد قيل في كل منهما أنها الصلاة الوسطى.
وأما عمل التطوع فهو ذكر الله بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس.
وقد ورد في فضله نصوص كثيرة وكذلك وردت النصوص الكثيرة فى أذكار الصباح والمساء، وفي فضل من ذَكَر اللهَ حين يصبح وحين يمسي.
وقد رُوي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "ابن آدم اذكرني ساعةً من أول النهار وساعةً من آخره أغفر لك ما بين ذلك إلاَّ الكبائر أو تتوب منها" (١).
وكان السَّلف لآخِرِ النهار أشد تعظيمًا من أوَّله.
قَالَ ابن المبارك: بلغنا أنّه من ختم نهاره بذكر الله كُتب نهاره كله ذكرًا.
وقال أبو الجَلْد: بلغنا أنَّ الله تعالى ينزل مساءً كل يوم إِلَى السماء الدُّنْيَا ينظر إِلَى أعمال بني آدم.
ورأى بعض السَّلف أبا جعفر القارئ في المنام فَقَالَ له: قل لأبي حازم - يعني الأعرج الزاهد الكَيِّس إنَّ الله وملائكته يتراؤن مجلسك بالعشيات.
والظاهر أن أبا حازم كان يقصُّ عَلَى النّاس آخر النهار.
وقد جاء في الحديث: "إنَّ الذِّكر بعد الصبح (أحبُّ) (*) من أربع رقابٍ، وبعد العصر أَحَبُّ من ثمان رقابٍ" (٢).
وأيضًا فيوم الجمعة آخره أفضل من أوله لِمَا يُرجى في آخره من ساعة الإجابة.
_________________
(١) لم أقف عليه. (*) أفضل: "نسخة".
(٢) أخرجه البيهقي في "الشعب" (٥٦٢)، (٥٦٣) عن أنس مرفوعًا، وعن رجل من أهل بدر (٥٦٤) بنحوه. وأخرجه أحمد (٥/ ٢٥٣، ٢٥٥) والطبراني في الكبير (٨/ ٨٠٢٨) عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه. وقال الهيثمي (١٠/ ١٠٤): رواه أحمد والطبراني وأسانيده حسنة.
[ ٤ / ٤١٩ ]
ويوم عرفة آخره أفضل من أوله؛ لأنّه وقت الوقوف، وكذلك آخر الليل أفضل من أوله.
كذا قَالَ السَّلف، واستدلوا بحديث النزول الإلهي (١).
وهذا كله مما يُرجح به قول من قَالَ إن صلاة العصر هي الوسطى.
وأما الوقت الثالث فهو الدُّلجة.
والإِدلاج: سير آخر الليل، والمراد به ها هنا العمل في آخر الليل وهو وقت الاستغفار، كما قَالَ تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨].
وهو آخر أوقات النزول الإلهي المتضمن لاستعراض حوائج السائلين، واستغفار المذنبين، وتوبة التائبين، وسط الليل للمحبين للخلوة بحبيبهم، وآخر الليل للمذنبين يستغفرون (من ذنوبهم) (*).
من عجز عن مشاركة المحبين في الجري معهم في ذلك المضمار فلا أقلَّ من مشاركة المذنبين في الاعتذار.
ورد في بعض الآثار: أن العرش يهتز من السَّحَر.
قَالَ طاووس: ما كنت أظن أن أحدًا ينام في السحر.
وفي الحديث الَّذِي خرَّجه الترمذي (٢): "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل".
سير الدلجة آخر الليل يقطع به سفر الدُّنْيَا.
ولهذا في الحديث الَّذِي خرّجه مسلم (٣): "إذا سافرتم فعليكم بالدُّلجة فإنَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) عن أبو هريرة مرفوعًا: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إِلَى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، منع يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له". (*) لذنوبهم: "نسخة".
(٢) برقم (٢٤٥٠) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر.
(٣) لم أجده في مسلم، وأخرجه أبو داود (٢٥٧١)، وابن خزيمة (٢٥٥٥) عن أنس مرفوعًا. وأخرجه أحمد (٣/ ٣٠٥، ٣٨١)، وأبو داود (٢٥٧٠)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٩٥٥)، وابن ماجه (٣٢٩)، (٣٧٧٢)، وابن=
[ ٤ / ٤٢٠ ]
الأرض تطوى بالليل".
قَالَ بعض الفضلاء:
اصبر عَلَى مضض الإِدلاج في السَّحَر وفي الرَّواح عَلَى الطاعات والبُكَرِ
لا تَضجَرَنَّ ولا يُعجزكَ مطلبها فالهمُّ يتلَف بين اليأس والضجَرِ
إني رأيتُ وفي الأيام تجربةٌ للصبر عاقبةٌ محمودة الأثرِ
وقل مَنْ جَدَّ وفي أَمْرٍ تَطلبَّه واستَصْحَبَ الصَّبر إلاَّ فازَ بالظفرِ
وقد رُوي أن الأشتر دخل عَلَى علي بن أبي طالب ﵁ بعد هدأة من الليل وهو قائم يصلّي.
فَقَالَ: يا أمير المؤمنين صوم بالنهار وسهر بالليل وتعب فيما بين ذلك!
فلما فرغ من صلاته قَالَ: سفر الآخرة طويلٌ يحتاج إِلَى قطعه بسير الليل وهو الإدلاج.
كانت امرأةٍ حبيب بن محمد الفارسي توقظه بالليل وتقول: قم يا حبيب؛ فإنَّ الطريق بعيدٌ وزادنا قليلٌ، وقوافل الصالحين قد سارت من بين أيدينا ونحن قد بقينا.
يا نائمًا بالليل كم ترقد قُم يا حبيبي قد دنا الموعدُ
وخُذ من الليل أوقاته وردًا إذا ما هَجَعَ الرُّقَّدُ
من نام حتى ينقضي ليله لم يبلغ المنزل لو يجهدُ
_________________
(١) =خزيمة (٢٥٤٨)، (٢٥٤٩)، عن جابر مرفوعًا ضمن حديث طويل.
[ ٤ / ٤٢١ ]