وقول - ﷺ -: "القصد القصد تبلغوا" حثٌّ عَلَى الاقتصاد فى العبادة والتوسط فيها بين الغلو والتقصير، ولذلك كرره مرةٌ بعد مرةٍ.
وفي "مسند البزَّار" (١) من حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: "ما أحسن القصد في الفقر، وما أحسن القصد في الغني، وما أحسن القصد في العبادة".
وكان لمُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير ابنٌ قد اجتهد في العبادة، فَقَالَ له أبوه: خير الأمور أوسطها، الحسنة بين السيئتين، وشرُّ السير الحقحقة. قَالَ أبو عبيد: يعني أن الغلوَّ في العبادة سيئة، والتقصير سيئة والاقتصاد بينهما حسنةٌ.
قَالَ: والحقحقة أن يلحَّ في شدة السير حتى تقوم عليه راحلته وتعطب فيبقى منقطعًا به سفره، انتهى.
ويشهد لهذا المعنى الحديث المروي عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا:
"إنَّ هذا الدينَ متينٌ فأوغلْ فيه برفقٍ ولا تبغض إِلَى نفسك عبادة الله، فإنَّ المنبتَّ لا سفرًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فاعمل عمل امرئ يظن أنّه لن يموت إلاَّ هَرِمًا، واحذر حذر امرئ (يخشى) (*) أن يموت غدًا". أخرجه حميد بن
_________________
(١) برقم (٢٩٤٦)، وقال: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن حذيفة إلاَّ بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٢): رواه البزار من رواية سعيد بن حكيم عن مسلم بن حبيب، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلاَّ ابن حبان في ترجمة سعيد الرواي عنه، وبقية رجاله ثقات. (*) يحذر: "نسخة".
[ ٤ / ٤٢٢ ]
زنجويه (١) وغيره.
وفي تكرير أمره بالقصد إشارة (إِلَى) (**) المداومة عليه، فإن شدة السير والاجتهاد مظنةُ السامة والانقطاع، والقصد أقرب إِلَى الدوام، ولهذا جعل عاقبةَ القصد البلوغَ كما قَالَ: "من أدلج بلغ المنزل".
فالمؤمن في الدنيا يسيرُ إِلَى ربه حتى يبلغَ إِلَيْهِ، كما قَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
قَالَ الحسن: يا قوم، المداومةَ المداومةَ فإنَّ الله يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت، ثم تلا هذه الآية.
وقال أيضًا: نفوسكم مطاياكم فأصلحوا مطاياكم تُبلِّغكم إِلَى ربكم ﷿.
والمرادُ بصلاح المطايا: الرفقُ بها، وتعاهُدها بما يصلحها من قوتها والرفق بها في سيرها، فإذا أحسَّ منها بتوقفٍ في السير تعاهدها تارةً بالتشويق، وتارةً بالتخويف حتى تسير.
قَالَ بعض السَّلف: الرجاء قائدٌ والخوف سائقٌ، والنفس بينهما كالدابة الحَرُون (٢).
فمتى فتر قائدها وقصَّر سائقها وقفت فتحتاج إِلَى الرفق بها والحدو لها حتى يطيب لها السير.
كما قَالَ حادي الإِبل بالبوادي:
بَشَّرها دليلها وقال لها غدًا ترَيْن الطلح والجبالا
_________________
(١) وأخرجه البيهقي في "السنن الكبير" (٣/ ١٩). (**) عَلَى: "نسخة".
(٢) الدابة الحرون: هي التي إذا استدر جريها وققت لسان العرب (١٣/ ١١٠).
[ ٤ / ٤٢٣ ]
ولما كان الخوف كالسَّوط فمتى ألحَّ بالضرب بالسوط عَلَى الدابة تلفت، فلا بد لها الضرب من حادي الرجاء، يطيِّب لها السير بحدائه حتى تقطع.
قَالَ أبو يزيد: ما زلت (أقودُ) (*) نفسي إِلَى الله وهي تبكي حتى سُقتُها وهي تضحك.
كما قيل:
إذا شكتْ من كَلالِ السير أو عدها روحَ القدومِ فتحيا عندَ ميعادِ
_________________
(١) (*) أسوق: "نسخة".
[ ٤ / ٤٢٤ ]