المعنى اللغوي والاصطلاحي للمداراة وبعض مرادفاتها
أولًا: المعنى اللغوي:
قال الأزهري: قال أبو زيد في كتاب «الهمز»:
(درأْتَ) الرجل (مُدارأة) إذا اتّقيتَهُ.
وقال أبو عبيد: (المدارأة) هاهنا مهموزة، من (درأْت) وهي: المشاغبة، والمخالفة على صاحبك. ومنه قول الله ﷿: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾، يعني اختلافهم في القتيل.
ومن ذلك قول الشعبي في المختلِعة: «إذا كان (الدُّرْءُ) من قِبلها فلا بأس أن يأخذ منها» .
يعني (بالدرء): النشوز، والاعوجاج، والاختلاف. وكلّ من دفعتَه عنك فقد (درأْتَه) .
وقال ابن السّكيِّت: (درأْته) عني (أدْرؤه) (درْأ): إذا دفعته. ومنه قوله ﷺ: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " ١.
يقال: (درأت) فلانًا أي: دفعته. و(داريته) أي: لايَنْتُه.
_________________
(١) ١ رواه أبو حنيفة عن ابن عبّاس في (مسنده) مرفوعًا، ص١٨٦. وضعّفه الألباني. انظر: (إرواء الغليل)، حديث رقم (٢٣١٦)، تلخيص الحبير (٤/٥٦) .
[ ٢٧٤ ]
و(درأته): (داريته) ودافعته، ولاينته ١ ا.هـ.
قال في اللسان:
و(المداراة) في حسن الخلق، والمعاشرة مع النّاس يكون مهموزًا (مدارأة)، وغير مهموز (مداراة) .
فمن هَمَزَه كان معناه: الاتقاء لشرّه.
ومن لم يهمزه جعله من (دريْت) الظبي أي: احتلت له، وختلته حَتَّى أصيده.
و(داريته) من (دريت) أي: ختلت.
قال الجوهري: و(مداراة) النّاس: المداجاة، والملاينة.
ومنه الحديث: " رأس العقل - بعد الإيمان بالله - مداراة النّاس " ٢.
أي: ملاينتهم، وحسن صحبتهم، واحتمالُهم لئلا ينفروا عنك.
و(داريت) الرجل: لاينته، ورفقْتُ به ٣.
_________________
(١) ١ تهذيب اللغة: (١٤/١٥٦) . ٢ أَخرَجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه، كتاب الأدب، باب ما جاء في اصطناع المعروف عن هُشيم عن عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيب. قال يحيى بن معين: لم يسمع هُشيم من عليّ بن زيد حديث (رأس العقل) . انظر تاريخه (٢/٦٢٢)، قال البيهقي في شعب الإيمان (٦/٣٤٣) رقم (٨٤٤٦): وصْلُه مُنْكَر، وإِنّما يُروى منقطعًا. ٣ اللسان، مادة: درأ.
[ ٢٧٥ ]
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال ابن حجر: قال ابن بطّال:
المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي: خفض الجناح للنّاس ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الأُلفة.
وظنّ بعضهم أن المداراة هي: المداهنة، فغلِط.
لأنّ المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرَّمة.
والفرق أنّ المداهنة من الدِهان، وهو الَّذي يظهر على الشيء، ويستر باطنه.
وفسَّرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق، وإظهار الرضى بما هو فيه من غير إنكار عليه.
والمداراة هي: الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يُظهِر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول، والفعل ولاسيما إذا احتِيج إلى تألفه، ونحو ذلك ١.
وقال الجرجاني:
المداهنة هي أن ترى منكرًا وتقدر على دفعه ولم تدفعه حفظًا لجانب مرتكبه، أو جانب غيره، أو لقلّة مبالاة في الدين ٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري شرح صحيح البخاري: (١٠/٥٢٨) . ٢ التعريفات: (ص٢٣٥) .
[ ٢٧٦ ]
قال ابن حبان تعليقًا على حديث «مداراة النّاس صدقة» ١: (المداراة) الَّتِي تكون صدقة للمداري هي تخلُّق الإنسان الأشياء المستحسنة مع من يُدفع إلى عشرته مالم يَشُبْها بمعصية الله.
والمداهنة هي: استعمال المرء الخصال الَّتِي تُستحسن منه في العِشرة، وقد يشوبها ما يكره الله جلّ وعلا.
وقال ابن القيّم: «الفرق بين المداراة والمداهنة: أن المداراة التلطّف بالإنسان لتستخرج منه الحقَّ أو تردّه عن الباطل، والمداهنة: التّلطّف به لتقرَّه على باطله وتتركه على هواه، فالمداراة لأهل الإيمان، والمداهنة لأهل النفاق» ٢.
وقال أبو هلال العسكري:
الفرق بين (اللطف) و(المداراة) أن (المداراة) ضرب من الاحتيال، والختْل، من قولك: (دريت) الصيد إذا ختلته.
وإنما يقال: (داريت) الرجل إذا توصّلت إلى المطلوب من جهته بالحيلة، والختل.
_________________
(١) ١ رواه ابن حِبَّان في صحيحه: ٢/٢١٦، حديث رقم (٤٧١)، والطبراني (في الأوسط) برقم (٤٦٦)، وأَبو نُعيم في (الحلية): ٨/٢٤٦، وابن السني (في عمل اليوم والليلة) برقم (٣٢٥) . قال الشَّيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على الإحسان في تقريب صحيح ابن حِبَّان: إسناده ضعيف. المسيب بن واضح: صدوق يخطيء كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل، قاله أبو حاتم. وانظر الكامل لابن عدي (٦/٢٣٨٣ - ٢٣٨٥)، كشف الخفاء (٢/٢٠٠) . ٢ انظر كتاب «الروح» ص (٢٨١) .
[ ٢٧٧ ]
قال: وفلان لطيف الحيلة إذا كان يتوصَّل إلى بغيته بالرفق، والسهولة. ويكون اللطف حُسن العشرة، والمداخلة في الأمور بسهولة ١.
_________________
(١) ١ الفروق، لأبي هلال العسكري ص (٢٤١) .
[ ٢٧٨ ]