خلق نَبينَا ﷺ من أرْضى الأَرْض أَرضًا وأصفى الْأَوْصَاف وَصفا وصين آباؤه من زلل الزِّنَا إِلَى أَن صدفت بِتِلْكَ الدرة صدفة آمِنَة فَوَثَبت لرضاعه ثويبة ثمَّ قَضَت بَاقِي الدّين حليمة فَقَامَ نَبَاته مستعلجا على سوقه مستعجلا قيام سوقه فَنَشَأَ فِي حجر الْكَمَال كَمَا نَشأ فشأى من شأى منشأ
قدمت حليمة والجدب عَام فِي الْعَام فَعرض على المرضعات فأبين لليتم فراحت بِهِ حليمة إِلَى حلتها فَثَابَ لَبنهَا وَلبن راحلتها فَبَاتُوا الْبركَة رُوَائِهِ رواء وهب على مباركهم نسيم نسمَة مباركة فَلَمَّا ظعنت الظعاين أَتَت اتانها تؤم أَمَام الركب فَلَمَّا حلوا حللهم كَانَت الرعاء تسرح فيعفرها سرحان الجدب وراعي حليمة يُعِيد الْغنم بالغنم
فَبينا الصَّبِي مَعَ الصّبيان هبت صبا الْجَبْر بِجِبْرِيل فَجَاءَهُ فَجْأَة فشق عَن الْقلب ثمَّ شقَّه وَمَا شقّ عَلَيْهِ فعلق بِيَدِهِ من باطية بَاطِنه علقَة فَقَالَ هَذَا حَظّ الشَّيْطَان وَقد قَطعنَا علقه ثمَّ أعَاد قلبه بعد أَن قلبه وَمَا بِهِ قلبة فَبَقيَ أثر الْمخيط فِي صَدره بَاقِي عمره لإِظْهَار سُورَة ﴿ألم نشرح﴾
[ ١٢٣ ]
فَلَمَّا بلغ سِتّ سِنِين ألوى الْمَوْت بالوالدة فجد فِي كفَالَته الْجد ثمَّ طلب الْمَوْت عبد الْمطلب فَمَا أَبى الطَّالِب وَلَا اشْتغل بأوصابه حَتَّى أوصى بِهِ أَبَا طَالب فَخرج بِهِ وَقد زانه كالتاج تَاجِرًا فَتَيَمم باليتيم منزل تيماء فَرَآهُ بحيراء ببحرته فَقَرَأَ سمات النُّبُوَّة من شمايل ﴿يعرفونه﴾ فَشَام برق فَضله فلاح من شِيمَة شامته فَقَالَ لِعَمِّهِ احفظ هَذِه الشامة من شامت
وَمَا زَالَ نشره يضوع وَلَا يضيع إِلَى أَن تمخضت حَامِل النُّبُوَّة فِي ابان التَّمام وآثر الطلق طَلَاق الْخلق فتحرى غَار حراء للفراغ فرَاغ إِلَيْهِ الْملك فَأَغَارَ حَبل الْوِصَال فِي ذَلِك الْغَار فَأَفَاضَ عَلَيْهِ حلَّة ﴿اقْرَأ﴾ فَأَفَاضَ إِلَى حلَّة زَمِّلُونِي فسكنت خَدِيجَة غَلَّته بعلة إِنَّك لتصل الرَّحِم ثمَّ انْطَلَقت بِهِ إِلَى ورقة فَقَرَأَ من ورقة سيماه نقش فَضله فتيقظ لفهم أمره إِذْ نَامُوا فَقَالَ هَذَا الناموس الَّذِي نزل على مُوسَى وَلَقَد عرفه الْأَحْبَار فِي الكنايس والرهبان فِي الصوامع وانذر بِهِ الرئى وَأخْبر بِهِ التَّابِع
فَكَانَت تسلم عَلَيْهِ قبل النُّبُوَّة الْأَحْجَار وتبشره بِمَا أولاه مَوْلَاهُ الْأَشْجَار وَكَانَ خَاتم النُّبُوَّة بَين كَتفيهِ وسرايا الرعب تتْرك كسْرَى كالكسرة بَين يَدَيْهِ ألبس أهاب الهيبة وتوج تَاج السِّيَادَة وضمخ بأذكى خلوق أزكى الْأَخْلَاق واحل دَار المدراة واجلس على صفحة الصفح ولقم لقم لُقْمَان الْحَكِيم وَوضعت لَهُ أكواب التَّوَاضُع وأديرت عَلَيْهِ كؤوس الْكيس متضمنة حلاوة الْحلم ختامها مسك النّسك واعطى لقطع مفازة الدُّنْيَا جواد الْجُود ونوول قلم الْعِزّ
[ ١٢٤ ]
فَوَقع على صَحَائِف الكد كل عمل لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد كَانَ يعود الْمَرِيض ويجيب دَعْوَة الْمَمْلُوك وَيجْلس على الأَرْض ويلبس الخشن وَيَأْكُل البشع ويبيت اللَّيَالِي طاويا يتقلب فِي قَعْر الْفقر ولسان الْحَال يُنَادِيه يَا مُحَمَّد نَحن نضن بك عَن الدُّنْيَا لَا بهَا عَنْك
وَلَقَد شَارك الانبياء فِي فضائلهم وَزَاد أَيْن سطوة ﴿لَا تذر﴾ من حلم ﴿اهد قومِي﴾ أَيْن انْشِقَاق الْبَحْر من انْشِقَاق الْقَمَر أَيْن انفجار الْحجر من نبع المَاء من بَين الْأَصَابِع أَيْن التكليم عِنْد الطّور من قاب قوسين أَيْن تَسْبِيح الْجبَال فِي أماكنها من تقديس الْحَصَى فِي الْكَفّ أَيْن علو سُلَيْمَان بِالرِّيحِ من لَيْلَة الْمِعْرَاج أَيْن إحْيَاء عِيسَى الْأَمْوَات من تكليم الذِّرَاع كل الْأَنْبِيَاء ذهبت معجزاتهم بموتهم ومعجزة نَبينَا الْأَكْبَر قَائِمَة على منار ﴿لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ تنادي ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ وَلَقَد أعرب عَن تقدمه من تقدمه آدم وَمن دونه تَحت لِوَائِي لَو كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حيين مَا وسعهما إِلَّا اتباعي فَإِذا نزل عِيسَى صلى مَأْمُوما لِئَلَّا يدنس بغبار الشُّبْهَة وَجه لَا نَبِي بعدِي
فَهُوَ أول النَّاس خُرُوجًا إِذا بعثوا وخطيب الْخَلَائق إِذا وفدوا ومبشر الْقَوْم إِذا يأسوا الْأَنْبِيَاء قد سكتوا لنطقه والأملاك قد اعْتَرَفُوا بِحقِّهِ وَالْجنَّة وَالنَّار تَحت أمره والخزان داخلون فِي دَائِرَة حكمه وَكَلَام غَيره قبل قَوْله لَا ينفع وَجَوَاب الحبيب لَهُ قل تسمع فسبحان من فض لَهُ من الْفَضَائِل مَا فَضله وَكسب من حلل الْفَخر الجم مَا جمله جمع الله بَيْننَا وَبَينه فِي جنته وَأَحْيَانا على كِتَابه وسنته
[ ١٢٥ ]