لما خرج مُوسَى بأَهْله من مَدِينَة مَدين انْطلق طلق الطلق بِزَوْجَتِهِ فَمَا زَالَ يكادح المقادح فَلم تور لِأَن عروس نَار الطّور لما هَمت بالتجلي نوديت النيرَان بِلِسَان الْغيرَة من الْمُشَاركَة ﴿قضى﴾ فَقَامَ على أَقْدَام التحيرة فَهَتَفَ بِهِ أنيس ﴿آنس﴾ فأنس
(يَا حَار إِن الركب قد حاروا فَاذْهَبْ تجسس لمن النَّار)
(تبدو وتخبو إِن خبت وقفُوا وَإِن أَضَاءَت لَهُم سَارُوا)
فشمر مُوسَى عَن سَاق الْقَصْد وسَاق فَلَمَّا أَتَى النادي ﴿نُودي﴾ فحين ذاق لَذَّة التكليم جرح قلبه نصل الشوق فَلم يداوه إِلَّا طَبِيب ﴿وواعدنا﴾
(ليالينا بِذِي الأثلاث عودي ليورق فِي ربى الا ثَلَاث عودي)
(فَإِن نسيم ذَاك الشيح أذكى لدي من انتشاقي نشر عود)
(وَإِن حديثكم فِي الْقلب أحلى وأغيب نَغمَة من صَوت عود)
فَبعث فِي حَرْب فِرْعَوْن فَلم يزل مَشْغُولًا بِالْجِهَادِ إِلَى أَن قبر الْقَتِيل فِي لحد اليم فَطلب قومه كتابا يضْبط شاردهم وَيرد نادهم فَأمره الله أَن يَصُوم ثَلَاثِينَ لَيْلَة نَهَاره وليله فَأمْسك على مسك الْإِمْسَاك بكف الْكَفّ فِي الْوِصَال فدام فدام فِيهِ فِيهِ عَن مطمع الْمطعم فقيد فقيد قوت الْوَقْت فَصَارَ فِي قيء ذكر الْوَعْد فَمَا انْقَضتْ اللَّيَالِي حَتَّى انْقَضتْ ظهر الْبَصَر فَقَامَ لتراى جلال الْوَفَاء بِالْأَمر فلاح
[ ١٠٣ ]
فِي مطلع فلاح الْقَصْد فبادر يسْعَى على أَقْدَام الْحبّ إِلَى زِيَادَة ربع الْحبّ فكاد يقلهُ قلقلة الوجد فَوجدَ الْهَوَاء متغير الرّيح فِي عرضة الْفَم فصاح بِهِ فصيح لِسَان الحزم من وَرَاء رَأْي الْعَزْم يَا مُوسَى غير أثرا لَازم فَتَنَاول مُضْغَة من النَّبَات فمضغها فَقيل لَهُ أَيهَا الصَّائِم عَن أمرنَا لم افطرت بِرَأْيِك فَقَالَ وجدت لفمي خلوفا وَمَا أردْت بفعلي خلافًا فَقيل مَا علمت أَن فَور فورة الخلوف من قدر الْإِمْسَاك أطيب عندنَا من فارة فارة الْمسك إِنَّا لنَنْظُر إِلَى قصد الْفَاعِل لَا إِلَى صُورَة الْفِعْل الدَّم نجس مجتنب لكنه فِي حق الشَّهِيد شهي (زملوهم بكلومهم وَدِمَائِهِمْ) فَرجع مُوسَى عاكفا على معتكف كف كَفه ﴿فتم مِيقَات ربه﴾ واحضر حَظِيرَة الْقُدس فنسي الْأنس مِمَّا آنس من الْأنس
(فَكل شَيْء رَآهُ ظَنّه قدحا وكل شخص رَآهُ ظَنّه الساقي)
فَلَمَّا دارت فِي دَائِرَة دَار الْحبّ كؤوس للقرب وَسمع النداء وسط النادي بِلَا وَاسِطَة وسيط لَهُ من وسيط أقداح المنى فِي الْمُنَاجَاة بِلَا وسيط طَابَ لَهُ شراب الْوِصَال من أوطاب الْخطاب فِي أواني سَماع الْكَلَام فناداه توق شوقه
(أَوَان أَنْت فِي هَذَا الأوان عَن الراح المروق فِي الْأَوَانِي)
رأى على الْغَوْر وميضا فاشتاق مَا أجلب الْبَرْق لدمع الأماق فصاح لِسَان الوجد ﴿أَرِنِي﴾ فَرد شارد شحذان الشوق على الطوى بطوق ﴿لن تراني﴾ إِلَّا أَن جزع الْفِطَام سكن شعلة بتعلة ﴿وَلَكِن﴾ فَلَمَّا تجلى ﷻ للجبل مر فَخر مُوسَى فِي بَحر الصَّعق فرقا فرقي فرقه ذرْوَة
[ ١٠٤ ]
﴿سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك﴾ مَا انبسط مُوسَى بقول أَرِنِي إِلَّا ببسط سلني وَلَو ملح عجينك وَلَو تَركه مَعَ رعيه الْغنم فِي شعب شُعَيْب لما جال فِي ظَنّه ذَلِك الطمع وَلكنه استدعاه بالنداء وأنسه بالتقريب وباسطه بالتكليم
(فَلَمَّا عاين الْحيرَة حادى جملي حارا)
كَانَ مُوسَى يطوف فِي بني اسرائيل وَيَقُول من يحملني رِسَالَة إِلَى رَبِّي مَا كَانَ مُرَاده إِلَّا أَن يطول الحَدِيث مَعَ الحبيب
(فَقلت لَهُ رد الحَدِيث الَّذِي انْقَضى وذكراك من ذَاك الحَدِيث أُرِيد)
(يحدد تذكار الحَدِيث مودتي فذكرك عِنْدِي والْحَدِيث جَدِيد)
(أناشده أَلا أعَاد حَدِيثه كَأَنِّي بطئ الْفَهم حِين يُعِيد)
مَاتَ مُوسَى قَتِيل شوق ﴿أَرِنِي﴾ فَلَمَّا جَازَ عَلَيْهِ نَبينَا ﷺ لَيْلَة الْمِعْرَاج ردده فِي الصَّلَوَات ليسعد بِرُؤْيَة من قد رأى
(وَإِنِّي لآتي أَرْضكُم لَا لحَاجَة لعَلي أَرَاكُم أَو أرى من يراكم)
(أَن تشق عَيْني فطالما سعدت عين رَسُولي وفاز بِالنّظرِ)
(وَكلما جَاءَنِي الرَّسُول لَهُم رددت شوقا فِي طرفه نَظَرِي)
(تظهر فِي طرفه محاسنهم قد أثرت فِيهِ أحسن الْأَثر)
(خُذ مقلتي يَا رَسُول عَارِية فَانْظُر بهَا واحتكم على بَصرِي)
[ ١٠٥ ]