لما تمكن الْحَسَد من قُلُوب أخوة يُوسُف ارى الظَّالِم مَال الظَّالِم فِي مرْآة ﴿إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا﴾ فتلطفوا بخداع ﴿مَا لَك لَا تأمنا﴾ وشوقوا يُوسُف إِلَى رياض ﴿يرتع ويلعب﴾ فَلَمَّا أصحروا أظهرُوا المقت لَهُ ورموا بِسَهْم الْعدوان مَقْتَله ففسخ نَهَار رفقهم بِهِ ليل انتهارهم لَهُ فصاح يهودا فِي بقايا شفق الشَّفَقَة واغباش غيابة الْحبّ ﴿لَا تقتلُوا يُوسُف وألقوه فِي غيابة الْجب﴾ فَلَمَّا ألقوه وَقَالُوا هلك جَاءَ ملك من عِنْد ملك يَقُول ستبلغ أملك ﴿لتنبئنهم﴾ فعادوا عَمَّن عَادوا كالأعشى ﴿عشَاء يَبْكُونَ﴾ ولطخوا قَمِيصه الصَّحِيح ﴿بِدَم كذب﴾ فلاحت عَلامَة سَلامَة الْقَمِيص كي يظْهر كيدهم فَقَالَ حَاكم الفراسة ﴿بل سَوَّلت﴾
فَلَمَّا ورد وَارِد السيارة باعوا الصدفة وَلم يتلمحوا الدرة وَاعجَبا لقمر قومر بِهِ فَلَمَّا وصل إِلَى مصر تفرس فِيهِ الْعَزِيز فأجلسه على اعزاز ﴿أكرمي﴾ فشغف قلب سيدته وفرى فراودته فَسَار بأقدام الطَّبْع فِي فلاة غفلات ﴿هَمت بِهِ وهم بهَا﴾ رد ﴿لَوْلَا أَن رأى﴾ فانقذ قوى الْفِرَار وَمَا استبقى ﴿واستبقا﴾ فانبسطت يَد الْعدوان وامتدت ﴿وقدت﴾ فَلَمَّا بَانَتْ حجَّته فِي ابان ﴿وَشهد شَاهد﴾ أخذت تزكي مصراة الْإِصْرَار بِيَمِين يَمِين ﴿وَلَئِن لم يفعل﴾ فَاخْتَارَتْ درة فهمه
[ ٩٤ ]
صدفة الْحَبْس لجهل النَّاقِد ﴿رب السجْن أحب إِلَيّ﴾ فَلَمَّا ضَاقَ قفص الْحصْر على بلبل الطَّبْع ترنم بِصَوْت ﴿اذْكُرْنِي﴾ فَعُوقِبَ بإيثاق بَاب ﴿فَلبث فِي السجْن﴾ فَلَمَّا آن أَوَان الْفرج خرج إِلَى الْملك
هَذَا وَيَعْقُوب مفترش فرَاش الأسى على حزن الْحزن لَا يستلذ نوما وَلَا سنة ثَمَانِينَ سنة حَتَّى نحل الْبدن وَذهب الْبَصَر
(لم يبْق لي بعدكم رسم وَلَا طلل إِلَّا وللشوق فِي حَافَّاته عمل)
(إِذا شممت نسيما من بِلَادكُمْ فقدت عَقْلِي كَأَنِّي شَارِب ثمل)
فَلَمَّا عَم عَام الْقَحْط أَرض كنعان خرج أخوته لطلب الْميرَة فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي ظلام ظلمهم فَرَآهُمْ الْمَظْلُوم بِعَين ﴿لتنبئنهم﴾ وخفى عَلَيْهِم نعْمَة ﴿اقْتُلُوا يُوسُف﴾ فاقبل عَلَيْهِم سَائِلًا وَاقْبَلْ الدمع سايلا وتقلقل تقلقل الْوَاجِد ليسمع أَخْبَار الْوَالِد
(أيه أَحَادِيث نعْمَان وساكنه إِن الحَدِيث عَن الأحباب أسمار)
(أفتش الرّيح عَنْكُم كلما نفحت من نَحْو أَرْضكُم نكباء معطار)
فَقَالُوا جِئْنَا من أَرض كنعان وَلنَا شيخ يُقَال لَهُ يَعْقُوب وَهُوَ يقْرَأ ﵇ فَلَمَّا سمع رِسَالَة أَبِيه انتفض طَائِر الوجد لذكر الحبيب
(وداع دَعَا إِذْ نَحن بالخيف من منى فهيج أحزان الْفُؤَاد وَمَا يدْرِي)
فَرد السَّلَام قلبه قبل لِسَانه وشغله وكف شانه عَن شانه وَقَالَ مقول إبدائه بِعِبَارَة صعدائه
(خذي نَفسِي يَا ريح من جَانب الْحمى فلاقي بِهِ لَيْلًا نسيم ربى نجد)
(فَإِن بِذَاكَ الجو حبا عهدته وبالرغم مني أَن يطول بِهِ عهدي)
ثمَّ انه طلب آخاه فاحتالو بِحجَّة منع منا الْكَيْل فَلَمَّا حملُوا حَال بَينهم وَبَينه بحيلة ﴿جعل السِّقَايَة﴾ فَلَمَّا دخل وَقت التُّهْمَة ﴿أذن مُؤذن﴾
[ ٩٥ ]
فعادوا إِلَى أَبِيهِم بشجى على شجن وقرح على جرح وعقر على عقر فِي عقر فَقَامَ وَقد تقوس وَعَسَى على بَاب ﴿عَسى﴾ ثمَّ بَعثه لطف ﴿لَا تقنطوا﴾ على أَن بَعثهمْ برسالة ﴿فتحسسوا﴾ فَلَمَّا رجعُوا دخلُوا من قفر الْفقر فاستلقوا فِي ساحة الضّر ينادون على غليل عليل الذل ﴿وَتصدق علينا﴾ تالله لقد جوزيت أيد مدها تغشرم ﴿وشروه﴾ أَن مدت فِي طَرِيق ذل ﴿وَتصدق علينا﴾ فَلَمَّا عرفوه اعْتَرَفُوا فمحى مَا اقترفوا بكف ﴿لَا تَثْرِيب﴾ فَرفع من مَوَائِد تِلْكَ الْفَوَائِد نصيب الْوَالِد ﴿اذْهَبُوا بقميصي﴾ فَهبت نسايم الْفَرح فتوغلت فِي خياشيم مَرِيض كالفرخ من فرج الْفرج فَخر ركام الزُّكَام عَن منخر الضّر فَنَادَى مدنف الوجد ﴿إِنِّي لأجد﴾
(نشدتك الله يَا نسيم مَا فعلت بَعدنَا الرسوم)
(هَل استهلت بهَا الغوادي ونمقت روضها الغيوم)
(وَهل بهَا من عهِدت فِيهَا بعد على حَاله مُقيم)
(علل بِروح الْوِصَال صبا أنفاسه للجري سموم)
(وعد فَسلم على أنَاس مَا أَنا من بعدهمْ سليم)
(واشرح لَهُم حَال مستهام أَنْت بأشواقه عليم)
(وَقل غَرِيب ثوى بِأَرْض فِي غَيرهَا قلبه يهيم)
(يكابد الشوق حِين يُمْسِي وتعتري قلبه الهموم)
(أحبابنا تَنْقَضِي اللَّيَالِي وَمَا انْقَضتْ تلكم الكلوم)
(ذَاك اللديغ الَّذِي عهدتم بعد على حَاله سقيم)
(أصبح من فقركم وحيدا فَلَا خَلِيل وَلَا حميم)
(لم تجر ذكر الْفِرَاق إِلَّا حن كَمَا حنت الرزوم)
[ ٩٦ ]
فَلَمَّا كشف يَعْقُوب فدام الوجد بكف ﴿إِنِّي لأجد﴾ احدقت بِهِ عواذل ﴿تالله تفتأ﴾ تالله لَو وجدوا مَا وجد مَا انكروا مَا عرف
للمهيار
(هَل لَكمَا من علم بالطارق الملم)
(سرى على الدياجي سرى أَخِيه النَّجْم)
(يشق نجدا عرضا من شخصه بِسَهْم)
(فنور اللَّيْل وَلَيْسَت من ليَالِي التم)
(خُذ يَا نسيم عني تحيتي ولثمي)
(وهنهم بوجدهم من الْكرَى وعدمي)
(قَالُوا هجرت أَرضهم أهجرها برغمي)
(قد وصلت إِلَى الحشا رسلكُمْ بِالسقمِ)
(فَلم تدع وَاسِطَة بَين دمي ولحمي)
(عج كي ترى رسوما ثَلَاثَة فِي رسم)
(سوى النحول بَيْننَا تعرفنا بالوهم)
(خطّ هِلَال لَيْلَة ودارهم وجسمي)
[ ٩٧ ]