لما كَانَت اللُّغَة تَنْقَسِم قسمَيْنِ
أَحدهمَا الظَّاهِر الَّذِي لَا يخفى على سامعيه وَلَا يحْتَمل غير ظَاهره
وَالثَّانِي الْمُشْتَمل على الْكِنَايَات والإشارات والتجوزات وَكَانَ هَذَا الْقسم هُوَ المستحلى عِنْد الْعَرَب
نزل الْقُرْآن بالقسمين ليتَحَقَّق عجزهم عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عارضوه بِأَيّ الْقسمَيْنِ شِئْتُم وَلَو نزل كُله وَاضحا لقالوا هلا نزل بالقسم المستحلى عندنَا وَمَتى وَقع فِي الْكَلَام اشارة أَو كِنَايَة أَو اسْتِعَارَة أَو تَعْرِيض أَو تَشْبِيه كَانَ أحلى وَأحسن
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وَمَا ذرفت عَيْنَاك إِلَّا لتقدحي بسهميك فِي أعشار قلب مقتل)
فَشبه المنظر بِالسَّهْمِ فحلى هَذَا عِنْد السَّامع
وَقَالَ أَيْضا
(فَقلت لَهُ لما تخطى يجوزه وَأَرْدَفَ اعجازا وناء بكلكل)
فَجعل اللَّيْل صلبا وصدرا على جِهَة التَّشْبِيه وَقَالَ الآخر
(من كميت أجادها طابخاها لم تمت كل مَوتهَا فِي الْقُدُور)
أَرَادَ بالطابخين اللَّيْل وَالنَّهَار
فَنزل الْقُرْآن على عَادَة الْعَرَب فِي كَلَامهم
فَمن عَادَتهم التَّجَوُّز وَفِي الْقُرْآن فَمَا ربحت تِجَارَتهمْ يُرِيد أَن ينْقض
وَمن عاداتهم الْكِنَايَة وَلَكِن لَا تواعدوهن سرا أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط
[ ٣٦ ]
وابتغاء الْفضل بِالنَّهَارِ وَمثله ﴿وتعزروه وتوقروه وتسبحوه﴾ فالتعزيز والتوقير للرسول وَالتَّسْبِيح لله ﷿
وَقد يكنون عَن شَيْء وَلم يجر لَهُ ذكر حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب
وَقد يصلونَ الْكِنَايَة بالشَّيْء وَهِي لغيره وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين
وَمن عاداتهم الِاسْتِعَارَة فِي كل وَاد يهيمون فَمَا بَكت عَلَيْهِم السَّمَاء وَالْأَرْض
وَمن عاداتهم الْحَذف الْحَج أشهر مَعْلُومَات وَاضْرِبْ بعصاك الْبَحْر فانفلق واسأل الْقرْيَة
وَمن عاداتهم زِيَادَة الْكَلِمَة فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق وَيزِيدُونَ الْحَرْف تنْبت بالدهن ويقدمون ويؤخرون وَلم يَجْعَل لَهُ عوجا قيمًا ويذكرون عَاما ويريدون بِهِ الْخَاص الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس يُرِيد نعيم بن مَسْعُود وخاصا يُرِيدُونَ بِهِ الْعَام يَا أَيهَا النَّبِي اتَّقِ الله وواحدا يُرِيدُونَ بِهِ الْجمع هَؤُلَاءِ ضيفى ثمَّ يخرجكم طفْلا وجمعا يُرِيدُونَ بِهِ الْوَاحِد أَن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم نعذب طَائِفَة وينسبون الْفِعْل إِلَى اثْنَيْنِ وَهُوَ لاحدهما نسيا حوتهما يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وينسبون الْفِعْل إِلَى أحد اثْنَيْنِ وَهُوَ لَهما وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه انْفَضُّوا إِلَيْهَا وينسبون الْفِعْل إِلَى جمَاعَة وَهُوَ لوَاحِد وَإِذ قتلتم نفسا ويأتون بِالْفِعْلِ بِلَفْظ الْمَاضِي وَهُوَ مُسْتَقْبل أَتَى أَمر الله ويأتون بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل وَهُوَ مَاض فَلم تقتلون أَنْبيَاء الله ويأتون بِلَفْظ فَاعل فِي معنى مفعول لَا عَاصِم الْيَوْم من مَاء دافق فِي عيشة راضية ويأتون بِلَفْظ مفعول بِمَعْنى فَاعل وَكَانَ وعده مأتيا حِجَابا مَسْتُورا يَا مُوسَى مسحورا ويضمرون الْأَشْيَاء وَمَا منا الاله مقَام مَعْلُوم أَي من لَهُ ويضمرون الْأَفْعَال فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا أَي فضربوه ويضمرون الْحُرُوف سنعيدها سيرتها
وَمن عاداتهم تَكْرِير الْكَلَام وَفِي الْقُرْآن فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ وَقد يُرِيدُونَ تَكْرِير الْكَلِمَة ويكرهون إِعَادَة اللَّفْظ فيغيرون بعض الْحُرُوف وَذَلِكَ يُسمى الِاتِّبَاع فَيَقُولُونَ اسوان اتوان أَي حَزِين وَشَيْء تافه نافه وانه لثقف لقف وجايع نايع
[ ٣٧ ]
وَجل وبل وحياك الله وبياك وحقير نقير وَعين جدرة بدرة أَي عَظِيمَة ونضر مُضر وسمج لمج وسيغ ليغ وشكس لكس وَشَيْطَان ليطان وترقوا شذر مذر وشغر بغر وَيَوْم عك لَك إِذا كَانَ حارا وعطشان نطشان وعفريت نفريت وَكثير بثير وكزلز وَكن أَن وحار جَار يار وقبيح لقيح شقيح وثقة تقة نقة وَهُوَ أشق أمق حبق للطويل وَحسن بسن قسن وَفعلت ذَلِك على رغمه ودغمه وشغمه ومررت بهم أَجْمَعِينَ اكتعين أبصعين