١ - ما رُوي مرفوعًا (الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش) (١)، فهذا ممَّا لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ.
فالصحيح جواز الكلام في المسجد،حتى وإن كان هذا الكلام بغير ذكر الله تعالى، فقد كان الصحابة - ﵃ - يجلسون فى المسجد يتكلمون بغير الذكر والقرآن، ولم ينكرذلك عليهم رسول الله - ﷺ - كما في حديث جابر بن سمرة﵁قال: كَانَ رسول الله - ﷺ - لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، أَوِ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّم " (٢)
_________________
(١) قد ذكره الشوكاني في الأحاديث الموضوعة (١/ ٤٤)، وقال زين الدين العراقي في المغني عن حمل الأسفار (١/ ١٨٠): لم أقف له على أصل ا. هـ قال السفارينى: ما اشتهر على الألسنة من قوهم إنَّ النبى -ﷺ- قال " الحديث في المسجد -وبعضهم يزيد المباح- يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " فهو كذب لا أصل له ا. هـ قال ابن السبكي: (٦/ ٢٩٤) لم أجد له إسنادًا، وساقه تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (٦/ ٢٩٤) في الفصل الذي جمع فيه أحاديث إحياء علوم الدين التي لم يحد لها إسنادا،وقال الألباني: لا أصل له، وانظرالسنن والمبتدعات (١/ ٤٣) وغذاء الألباب (٢/ ٣١٠) والفوائد المجموعة (١/ ٤٤) والسلسلة الضعيفة (١/ ٦٠)
(٢) أخرجه مسلم (٦٧٠) وأبوداود (١٢٩٤)
[ ١٦٨ ]
قال النووي: يَجُوزُ التَّحَدُّثُ بِالْحَدِيثِ الْمُبَاحِ فِي الْمَسْجِدِ وَبِأُمُورِ الدُّنْيَا وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَإِنْ حَصَلَ فِيهِ ضَحِكٌ وَنَحْوُهُ مَا دَامَ مُبَاحًا لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ ا. هـ (١)
قال ابن حزم: والتحدُّث في المسجد بما لا إثم فيه من أمور الدنيا مباح،وذكر الله تعالى أفضل. ا. هـ (٢)
وَسُئِلَ شيخ الإسلام - ﵀ -: عَنْ الْكَلَامِ في المسجد هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟
فقال - ﵀ -: وَأَمَّا الْكَلَامُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الْمَسْجِدِ فَحَسَنٌ وَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا. وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ. وَيُكْرَهُ فِي المسجد فُضُولُ الْمُبَاحِ. ا. هـ (٣)
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الكلام في المسجد ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون فيه تشوِّيش على المصلين والقارئين والدارسين، فهذا لا يجوز، وليس لأحد أن يفعل ما يشوش على المصلين والقارئين والدارسين.
القسم الثاني: أن لا يكون فيه تشويش على أحد، فهذا إن كان في أمور الخير فهو خير. (٤)
_________________
(١) وانظر المجموع (٢/ ١٧٧)
(٢) انظرالمحلى (٣/ ١٦٠) ومجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٠٠)
(٣) انظرمجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٠٠)
(٤) قلت: وقد أذن الرسول - ﷺ - لحسان بن ثابت أن يقول الشعر في المسجد ليرد على الكافرين تكذيبهم لله ورسوله، كما ثبت في الصحيحين، وانظرنيل الأوطار (٢/ ١٨٨) والفقه الإسلامى وأدلته (١/ ٥٥١)
[ ١٦٩ ]
وإن كان في أمور الدنيا: فإن منه ما هو ممنوع، ومنه ما هو جائز؛ فمن الممنوع البيع والشراء والإجارة، فلا يجوز للإنسان أن يبيع أو يشتري في المسجد، أو يستأجر أو يؤِّجر في المسجد، وكذلك إنشاد الضالة فإن الرسول ﵊ قال (إذا سمعتم من ينشد الضالة فقولوا لا ردَّها الله عليك فإن المساجد لم تبنْ لهذا) ومن الجائز: أن يتحدث الناس في أمور الدنيا بالحديث الصدق الذي ليس فيه شيء محرم "ا. هـ.
نقول: ولكن مع ضعف حديث الباب فإنه ينبغي لمن مكث في المسجد أنْ يغتنم وقته في ذكر الله - تعالى - وقراءة القرآن ومدارسة العلم، ولا يكثر من الكلام الذي لا فائدة منه؛ وذلك لقوله تعالى (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) فدلت الآية على أنَّ الأصل في المساجد أنها قد بُنيت لذكر الله تعالى؛ كذلك لقوله ﷺ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ﷿، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ".
[ ١٧٠ ]