الجواب: - عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَاضْطَرَّنَا النَّاسُ فَصَلَّيْنَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَلَمَّا صَلَّيْنَا، فقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. (١)
وفي رواية: كنا نُنهي أنْ نصلِّي بين السواري علي عهد رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ونُطرد عنها طردًا. (٢)
وقد روى النهي عن الصلاة بين السواري عن ابن عباس وابن مسعود، وحذيفة (٣).
فهذه الأثار تدل على تحريم الصلاة بين السواري وذلك بأن تخلل الأعمدة صفوف المصلين، وعلة هذا النهي أنها تقطع الصفوف، وحديث أنس السابق له حكم الرفع. (٤)
قال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن الصلاة بين الأساطين؟ قال: إنما كره لأنه يقطع الصف، فإذا تباعد بينهما فأرجوا. (٥)
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٢٩) وأبوداود (٦٧٣) وصححه الحافظ والحاكم والذهبي والألباني.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٠٠٢) وابن حبان (٢٢١٩) وابن خزيمة (١٥٦٧)
(٣) وقد روى ذلك سعيد ابن منصور في سننه، قال ابن سيد الناس: " ولا مخالف لهم من الصحابة ".وانظر عون المعبود (٢/ ٢٦١).
(٤) وانظر الأوسط (٤/ ١٨١) وصحيح فقه السنة (١/ ٥٣٧) والسلسلة الصحيحة (١/ ٦٥٦)
(٥) وانظر مسائل أبي داود لأحمد (ص/٧٠)
[ ١٨٧ ]
واعلم أنه لا يُنهى عن صلاة المنفرد أو الإمام بين السواري، لفعل النبي - صلي الله عليه وسلم- لذلك، وإنما النهي يكون عن رص صفوف المأمومين بين أعمدة المسجد، وعلة هذا التفريق هي ما ذكرناه من قطع السواري لصفوف المصلين، ودليل التفريق حديث ابن عمر أنَّ النبي - ﷺ- صلَّى داخل الكعبة بين العمودين المُقدَمين. (١) فَيَكُونُ النَّهْيُ عَلَى هَذَا مُخْتَصًّا بِصَلَاةِ الْمُؤْتَمِّينَ دُونَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، والله أعلم. (٢)
فإن قيل: كان الصحابة - ﵃- يبتدرون السواري عند أذان المغرب؟
فالجواب: أنَّ هذا محمول على المنفرد يصلِّي السُنة، فيتخذ السارية سترة له.
لكن: إذا دعت الحاجة إلي صف الصفوف بين السواري؛ وذلك لإزدحام المسجد بالمصلِّين في صلاة الجمعة أو الجنازة مثلًا، جاز فعل ذلك بلا كراهة (٣)، ومازال المسلمون يفعلون ذلك في المسجد الحرام والمسجد النبوي عند الحاجة. (٤)
قال مالك: لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد. ا. هـ (٥)
_________________
(١) متفق عليه
(٢) وانظر عون المعبود (٢/ ٧٨) وشرح السنة (٢/ ١٠٢) وتحفة الأحوذي (٢/ ١٩)
(٣) وقد روى سعيد ابن منصور في سننه، قال ابن سيد الناس: " ولا مخالف لهم من الصحابة ".وانظر عون المعبود (٢/ ٢٦١).
(٤) وذلك كيوم الجمعة إذا كثرت صفوف المصلين، فهنا تتقارب الصفوف ويصلون بين السواري؛ فهذه أفضل من الصلاة خارج المسجد وبخاصة أن بعض المصلين خارج المسجد قد يتقدمون على موضع الإمام.
(٥) وانظر المدونة (١/ ١٩٥) والسلسلة الصحيحة (١/ ٦٥٦).
[ ١٨٨ ]