الجواب: أما النوم في المسجد فإنَّ هذا الأمر خلاف ما بنيت له المساجد، من ذكر الله - تعالى - والصلاة وقراءة القرآن، فلا ينبغي لمن كان له مسكنًا أن يتخذ المسجد مقيلًا ومبيتًا لغير حاجة تدعوه لذلك، أما مع الحاجة الداعية إلى ذلك فلا بأس، وهو قول جمهور العلماء. (١)
عن عَبْد اللَّهِ بْنُ عُمَرَ﵄- «أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لا أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ» (٢)
_________________
(١) وانظر إعلام الموقعين (٢/ ٢٩٧) والفقه على المذاهب الأربعة (١/ ٢٥٨) والأوسط (٥/ ١٣٧)
(٢) متفق عليه، وترجم له البخاري بقوله " بَابُ نَوْمِ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ"
[ ١٨٤ ]
وفي لفظ البخاري "قَالَ ابن عمر: كُنْتُ غُلامًا شَابًّا عَزَبًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَكُنْتُ أَبِيتُ فِي المَسْجِدِ.
وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺفَكَانُوا فِي الصُّفَّةِ (١).
كذلك كانت المرأة التي تقُمُّ مسجد النَّبِيِّ -ﷺ - تبيت في المسجد. (٢)
وعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي البَيْتِ، فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟» قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟» فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ فِي المَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ» (٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٣) والصفة: أي في موضع مظلل من المسجد النبوي كان فقراء المهاجرين يأوون إليه للنوم فيه، وهم المسمُّون بأصحاب الصفة وكانوا أضياف الإسلام.
(٢) أخرجه مسلم (٩٥٦)
(٣) متفق عليه، وقد ترجم البخاري له بقوله "بَابُ القَائِلَةِ فِي المَسْجِدِ"
[ ١٨٥ ]
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ - ﵁- قال: «كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْمَسْجِدِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ» (١)
فإذا جاز الأكل في المسجد، مع كونه على غير ضرورة، فلأن يجوز النوم فيه من باب أولى.
قال ابن تيميه: وَأَمَّا الْمَبِيتُ فِيهِ: فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةِ كَالْغَرِيبِ الَّذِي لَا أَهْلَ لَهُ وَالْغَرِيبِ الْفَقِيرِ الَّذِي لَا بَيْتَ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَبِيتُ فِيهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ فَلَا بَأْسَ وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَهُ مَبِيتًا وَمَقِيلًا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ا. هـ. (٢)
ولكن من احتاج للنوم في المسجد للحاجة فقد وجب عليه أن يحفظ بيت الله - تعالى - ممَّا يسوءه، من رائحة سيئة أو بقايا طعام ونحو ذلك. أما مع سوء استعمال المسجد والإساءة إلى فرشه فإنه يمنع من ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٧٧٠٩) وابن ماجه (٣٣٠٠) وصححه الألباني.
(٢) وانظر مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٠٤) والجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٨٠) ونيل الأوطار (٢/ ١٨٩) فائدة: أما روي مرفوعًا (لا ترقدوا في المسجد) فهو حديث موضوع في سنده حرام بن عثمان، قال عنه الشافعي ويحيي بن معين: الرواية عن حرام حرام، وانظرمصنف عبد الرزاق (١/ ٤٢٢) وانظر الضعيفة (٤/ ٤٠٧٧)
[ ١٨٦ ]