الراجح الصحيح - والله أعلم - هو حرمة إنشاد الضاَّلة في المسجد؛ وذلك لأنَّ النبي - ﷺ- أمر أن يقال لمن أنشدها: لا ردَّها الله عليك، وهذا دعاء عليه،ومثل هذا لا يكون إلا لمن فعل محرمًا، وممَّن قال بالتحريم مالك وابن حزم والصنعاني. (٣)
فإن قيل: وما علة النهي عن انشاد الضوال في المساجد والدعاء على من فعل ذلك؟
فالجواب: أنَّ ذلك ذريعة إلى أنْ تُتخذ المساجد أماكن للأمور الدنيوية، فترتفع فيها الأصوات ويكثر فيها اللغط الذي ينافي احترامها، وحيث إنَّ الضوال قد تكثر فيتوسع أصحابها في السؤال عنها في المساجد وقت اجتماع المصلّين، مما ينافي العبادة، لذلك يُدعى على من سأل عن ضاَّلة: لا وجدت ضالَّتك، فإنَّ المساجد أعدت للعبادة. (٤)
وإذا كان النبي - ﷺقد نهى عن التشويش على المصلين والقارئين، حتى ولو كان هذا التشويش بصوت قارىء القرآن، فكيف إذا كان هذا التشويش بأمر من أمور الدنيا؟ ! !
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨٥٨٨) ومسلم (٥٦٨) وأبو داود (٤٧٣)
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٠٤٤) ومسلم (٥٦٩)
(٣) وانظر المحلى (٣/ ١٦٧) وسبل السلام (١/ ٢٣٢) والآداب الشرعية (٣/ ٣٨٥) والثمر المستطاب (ص /٦٧٦)
(٤) وانظر التيسير شرح الجامع الصغير (١/ ٩٩) والجامع لأحكام القران (١٢/ ١٨٠) والشرح الممتع (٤/ ٥٣٣)
[ ١٠٨ ]
أما العلة التي من أجلها أمر الشرع بالدعاء على من فعل ذلك: فهذه عقوبة له على مخالفته وعصيانه، وفعله ما نُهي عنه من ذلك. (١)
ومن الفوائد التي تتعلق بهذا الباب: -
١ - قد ذهب الشافعية إلى عدم كراهة إنشاد الضاَّلة في المسجد الحرام خاصة؛ لأنه مجمع الناس. (٢)
قلت: - وهذا التخصيص للمسجد الحرام دون غيره ممَّا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، والله أعلم.
٢ - تعريف الضاَّلة لمن وجدها في المسجد: -
يدخل في النهي عن انشاد الضاَّلة في المسجد، من وجد شيئًا في المسجد، فليس له أن يعلن بذلك على رؤوس الناس ليعرف صاحبها؛ وذلك أنَّ العلة التي من أجلها نهى عن إنشاد الضاَّلة في المسجد متحققة في تعريف الضالة،والقاعدة تنص أنَّ:
"الأحكام تدور مع علتها حيث دارت، وجودًا وعدمًا "
يؤيده: أنَّ النهى عن إنشاد الضاَّلة يشمل المعنيين، يقال: نشدت الضاَّلة فأنا ناشد إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرَّفتها،وهو من النشيد الذي هو رفع الصوت. (٣)
فتبين بذلك أنَّ علة النهي متحققة في الأمرين،لذا يُنهى عنها.
قال المناوى: - وألحق جمع - منهم الحافظ العراقي - بإنشاد الضاَّلة تعريفها،لذا قال الشافعية: يعرفها على باب المسجد. (٤)
- فإن قيل: - إذا كان محرَّمًا على المرء أنْ ينشد الضاَّلة فى المسجد، وأنْ يعرفها، فماذا يفعل من فقد أو وجد في المسجد شيئًا؟؟
الجواب: -
١ - يقف على باب المسجد ويعلن عمَّا فقده أو وجده.
٢ - أنْ تعلِّق ورقة على باب المسجد يعلن فيها عمَّا فقده المرء أو وجده.
٣ - يتم تعليق ورقة في المسجد مفادها أن الأشياء التي يعثر عليها أحد فإنها تُسلَّم للأخ /فلان، مع وضع رقم هاتفه، وكذلك الأشياء التي يفقدها أحد يرجع إليها عند نفس الأخ.
قال النووي: لِيَكُنِ التَّعْرِيفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ مِنَ الْجَمَاعَاتِ، وَلَا يُعَرِّفْ فِي الْمَسَاجِدِ، كَمَا لَا تُطْلَبُ اللُّقَطَةُ فِيها. (٥)
_________________
(١) ذكره القاضي عياض في إكمال المُعْلِم (٢/ ٥٠٣)
(٢) وانظر الفقه على المذهب الأربعة (١/ ٢٢٥)
(٣) وانظر النهاية فى غريب الأثر (٥/ ٥٣) والثمر المستطاب (١/ ٦٨٦)
(٤) وانظر فيض القدير (١/ ٤٦١) وشرح رياض الصالحين (٦/ ٤٤٠)
(٥) وانظر روضة الطالبين (٢/ ٦٤٧)
[ ١٠٩ ]
فائدة: -
كذلك من الظاهرات التي انتشرت في مساجد المسلمين، والتي لها علاقة بإنشاد الضاَّلة، ما تراه من قيام أحد المصلِّين - عقب تسليم الإمام - بسؤال الصدقات.
ومع كثرة المتسولين الذين يتكفَّفون الناس، فقد أصبحت المساجد أماكن للتكفف، وحصل بذلك تشويش ورفع أصوات، وقد كثر هؤلاء وظهروا بصفة الضعف والذل والهوان، يرتدون ثيابًا دنسة، ولا شك أنَّ من بينهم من هو بحاجة وفاقة، ولكنَّ الكثير منهم من المحتالين على جمع المال من غير حاجة؛ ومع ذلك فلا مانع من الصدقة فى المسجد للمحتاج، فقد ترجم أبو داود في سننه (باب المسألة في المسجد) ثم روى عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -﵄قال: «قال رسول الله -ﷺ-: (هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه» (١). فهذا السائل ذو حاجة، حيث قنع بكسرة رغيف ليسد بها جوعته، وقد بوَّب البخاري في صحيحه: