ففي هذا الحديث صِيَانَةُ الْمَسَاجِدِ وَتَنْزِيهُهَا عَنِ الْأَقْذَارِ وَالْقَذَى وَالْبُصَاقِ ورفع الْأَصْوَاتِ وَالْخُصُومَاتِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ. (١)
فإنَّ كَنْسَ الْمَسْاجِدِ وَتَنْظِيفَها وَإِزَالَةَ مَا يُرَى فِيهِا مِنْ نُخَامَةٍ أَوْ بُصَاقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٌ -﵁- أَنَّ النَّبِى -ﷺ - رَأَى بُصَاقًا فِي الْمَسْجِدِ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، وَفِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. (٢)
فرع: ويدخل هذا الباب كذلك وجوب صَوْن المسجد عن الروائح الكريهة التي تؤذي عمَّار المسجد من الملائكة والمصلَّين.
عن جابر - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ " (٣)، وفى رواية مسلم (فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ) (٤)
قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: ثُمَّ إِنَّكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ، هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا. (٥)
_________________
(١) انظر شرح مسلم للنووي (٣/ ١٩٢)
(٢) وانظر المجموع (٢/ ١٧٧)
(٣) متفق عليه
(٤) أخرجه مسلم (٥٦٤)
(٥) أخرجه أحمد (١٨٦) ومسلم (٥٦٧) وابن حبان (٢٠٩١)
[ ٨٤ ]
قال القرطبي: وَمِمَّا تُصَانُ عَنْهُ الْمَسَاجِدُ وَتُنَزَّهُ عَنْهُ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ وَالْأَقْوَالُ السَّيِّئَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِهَا. ا. هـ (١)
قال ابن حزم: وَمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا فَفَرضٌ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَذْهَبَ الرَّائِحَةُ، وَفرِضٌ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إنْ دَخَلَهُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الرَّائِحَةِ. ا. هـ (٢)
قال ابن الأثير: ليس أكل الثوم والبصل من باب الأعذار في الانقطاع عن المساجد، وإنما أمره بالاعتزال عقوبة له ونكالًا؛ لأنه - ﷺ- كان يتأذَّى بريحها. ا. هـ (٣)