فرع: إذا كان الشرع قد نهى عن الصلاة بين السواري - رغم حاجة المسجد في بنيانه إليها - وذلك لأنها تقطع الصفوف، فكيف بأشياء أخرى تقطع صفوف المصلين، رغم عدم حاجة المسجد إليها علي هذا النحو الذي نراه، وأقصد في ذلك المنابر العملاقة، التي هي أشبه بناطحات السحاب، والتي تقطع الصف والصفين والثلاث.
ألم تعلم: أنَّ منبر النبيﷺ - كان من ثلاث درجات.
ألم تعلم: أن لِمثل هذه المنابر من المفاسد الكثير، والتي منها عدم رؤية الإمام أو رؤية مَن يرى الإمام، وهذا ممَّا يترتب عليه إفساد صلاة المرء. (١)
ألم تعلم أنَّ النبي - ﷺ - قال " من قطع صفًا قطعه الله " (٢)
فليخش كل من ولّاه الله - تعالى- أمر مسجد فصار مسئولًا عنه، مِن أن يترك مثل هذه المنابر الشاهقة، فيقع تحت هذا الحديث السابق. (٣)
_________________
(١) ولقد كنت في ذات مرة أصلي في مسجد، وكان منبره من هذا النوع الشاهق، وأثناء الصلاة دخل رجل مسبوق والإمام قائمًا، فكبر المسبوق بصوت مرتفع، فظن المصلون الذين هم خلف المنبر، والذين لا يرون الإمام أن هذا هو تكبير الإمام فركعوا، ثم حدثت جملة من المفاسد.
(٢) أخرجه أحمد (٥٧٢٤) وأبو داود (٦٦٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (ح/٦٧٢) ومعنى قطعه الله: أي من الخير والفضيلة والأجر الجزيل، وقيل من رحمته وعنايته
(٣) وقد جعل ابن حجر المكي أن من الكبائر: أن يتعمد المرء قطع الصف، وقال: عَدُّ هَذَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ هُوَ قَضِيَّةُ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» إذْ هُوَ بِمَعْنَى: لَعَنَهُ اللَّهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَمَرَّ أَنَّ مِنْ أَمَارَاتِ الْكَبِيرَةِ اللَّعْنَ وَنَحْوَهُ ا. هـ وانظر الزواجر عن اقتراف الكبائر (١/ ٢٧٥)
[ ١٨٩ ]
قال الألباني: وهذه الصفوف الأمامية نراها مقطوعة مع الأسف بسبب هذه البدعة التي عمت جميع المساجد تقريبا وأعني بذلك المنبر العالي الطويل ذا الدرجات الكثيرة فهو على كونه بدعة مخالفة لهديه ﵊ في منبره ذي الثلاث درجات وعلى ما فيه من الزخرفة والنقوش والإسراف وتضييع المال فهو بمنزلة السارية في قطع الصفوف بل إنه أضر منها لأنه يقطع صفوفا كثيرة على نسبة طوله فيجب على العلماء أن يبينوا ذلك وأن يدعوا في دروسهم ومواعظهم إلى إزالة هذه المنابر والرجوع بها إلى ما كان عليه منبره ﵊. وعلى من كان بيدهم الأمر تنفيذ ذلك تخليصا للمصلين من مفاسده. (١)