وهذا الباب يشتمل على أدب هام حث الشرع عليه ورغَّب فيه، وهو وجوب صيانة المساجد عما يلحق بها أو بعمَّارها من الملائكة والإنس من الأذى، وهذا ممَّا ورد الأمر به في كتاب الله - تعالى - وسنة نبيه ﷺ:
١ - قال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) [النور/٣٦]
قال الحسن البصري: معنى قوله "أن ترفع " أي تعظَّم ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار. ا. هـ (٢)
- قال تعالى (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة/١٢٦) وقال تعالى (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦» (الحج /٢٦)
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: أمر الله - تعالى - بتطهير بيته الذي هو المسجد الحرام، وصح عن النبي - ﷺ - أنه أمر بتنظيف المساجد وقال (جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا). ا. هـ (٣)
يُؤخَذ مِنْ هَاتين الْآيَتين: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرك عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ قَذَر مِنَ الْأَقْذَارِ، وَلَا نَجَسٌ مِنَ الْأَنْجَاسِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَلَا الْحِسيةِ، فَلَا يُتْرَكُ فِيهِ أَحَد يَرْتَكِبُ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ، وَلَا أَحَد يُلَوِّثُهُ بِقَذَر مِنَ النَّجَاسَاتِ. (٤)
_________________
(١) وانظر المحلى (٤/ ٦٦) واصلاح المساجد (١/ ٢٦٧) وأما الأثر الذي ذكره ابن حزم أعلاه فقد أخرجه أحمد (٧٥٦٨) والبخاري في الأدب المفرد (١١٣٨) وأبو داود (٤٨٥٣) وصححه الألباني في الصحيحة (٣٩٧٥)
(٢) انظر الجامع لأحكا م القران (٦/ ١٧٦) ومعالم التنزيل (٥/ ٦٠)
(٣) وانظر مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٠٢)
(٤) ذكره الشنقيطي في الأضواء (٤/ ٤٩٨)
[ ٧٩ ]
٢ - قال تعالي (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران /٣٥)
فقد كان تعظيم المسجد بالخدمة مشروعًا فى الأمم الماضية، ألا ترى أنَّ الله - تعالى- حكى عن السيدة حنة -أم مريم - أنها لمَّا حملت نذرت لله _تعالى - أن يكون ما في بطنها محررًا، يعنى عتيقًا يخدم المسجد الأقصى ولا يكون لأحدٍ عليه سبيل، ولولا أنَّ خدمة المساجد مما يُتقرب به إلى الله لما نذرت به، وهذا معنى قول ابن عباس: " نذرت لك ما في بطني ": يعني محررًا للمسجد يخدمه.
- وممَّا ورد في السنة عن ذلك: عن عائشة - ﵂ - قالت: أمر سول الله - ﷺ - ببناء المساجد في الدور، وأنْ تنظَّف وتطيَّب. (١)
_________________
(١) ت (٥٩٤) د (٤٥١) وصححه الألباني فَسَّرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الدُّورَ بِالْقَبَائِلِ، وَالْمُرَادُ الْمَحَلَّاتُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ الْمَحَلَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا قَبِيلَةٌ دَارًا، الدور: المحال التي فيها الدور، ومنه قوله تعالى «سأوريكم دار الفاسقين» أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى اتِّخَاذِ بَيْتٍ فِي الدَّارِ لِلصَّلَاةِ كَالْمَسْجِدِ يصلي فيه أهل البيت، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَحِكْمَةُ أَمْرِهِ لِأَهْلِ كُلِّ مَحَلَّةٍ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ فِيهَا أَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَشُقُّ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّةٍ الذَّهَابُ لِلْأُخْرَى فَيُحْرَمُونَ أَجْرَ الْمَسْجِدِ وَفَضْلَ إِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ فَأُمِرُوا بِذَلِكَ لِيَتَيَسَّرَ لِأَهْلِ كُلِّ مَحَلَّةٍ الْعِبَادَةُ فِي مَسْجِدِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُم، وانظر تحفة الأحوذي (٢/ ٥١٥) وشرح السنة (٢/ ١٢٠) ومشكل الأثار (٧/ ٢٤٢) والسلسلة الصحيحة (٢٧٢٤)
[ ٨٠ ]
قال ابن حزم: وَالتَّنْظِيفُ وَالتَّطْيِيبُ: يُوجِبَانِ إبْعَادَ كُلِّ مُحَرَّمٍ، وَكُلِّ قَذِرٍ، وَكُلِّ قُمَامَةٍ، وقال - ﵀-: وَاجِبٌ كَنْسُ المساجد، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُطَيِّبَ بِالطِّيبِ. ا. هـ (١)
قال ابن مفلح: وَيُسَنُّ كَنْسُ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِخْرَاجُ كُنَاسَتِهِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ. ا. هـ (٢)
وعن عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺرَأَىْ نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى. (٣)
قَالَ ابن عبد البر: أَمَّا حَكُّهُ ﷺ الْبُصَاقَ مِنَ الْقِبْلَةِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَنْزِيهِ المساجد من كل ما يُستقذر وَيُسْتَسْمَجُ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ الْبُصَاقَ طَاهِرٌ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَأَمَرَ بِغَسْلِ أَثَرِهِ. (٤)
_________________
(١) وانظر المحلي (٣/ ١٥٩)
(٢) انظر الآداب الشرعية (٣/ ٣٩٧) والمجموع (٢/ ١٧٧)
(٣) أخرجه مالك (٥٤٤) وأحمد (٥٣٣٥) ومسلم (٥٤٧)
(٤) وانظر الاستذكار (٢/ ٤٤٨)
[ ٨١ ]
وتأمل في هذه الواقعة: - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه - أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ (١) فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِا» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. (٢)
قلت: وما أًراه - ﷺ - فعل ذلك إلا لعظيم دورها وحرصها على تنظيف وتطيب بيت الله تعالى، والله أعلم.
_________________
(١) تقُم المسجد: أي تقوم بتنظيف المسجد وإزالة ما به من قمامة.
(٢) متفق عليه، قلت: وقد ورد ت زيادة فى الحديث نصها "ثم قال ﷺ: أي العمل وجدتِ أفضل؟ قالوا: يا رسول الله: أتسمع! قال: ما أنتم بأسمع منها، فذكر أنها أجابته: قم المسجد. وهذه الزيادة ذكرها المنذرى فى الترغيب (٤٢٧) والسيوطي في شرح مسلم (٣/ ٣٦)، قال المنذري: مرسل، وقد ضعفها الألباني في ضعيف الترغيب (١/ ٤٧) وقال: ضعيف معضل.
[ ٨٢ ]
ومن ذلك ما رواه أبو هريرة - ﵁قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي - ﷺ -: «دعوه وأهريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بُعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٠) ومسلم (٢٨٤) وأحمد (٧٧٩٩) لطيفة: قال شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ صِدِّيقٍ الْجَنَانِيُّ - ﵀ - وَرَضِيَ عَنْهُ: كُنْت فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَرَأَيْت رَجُلًا بالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَغَيَّظْتُ عَلَيْهِ وَزِدْت فِي تَعْنِيفِهِ، ثُمَّ أَلْزَمْتُهُ أَنْ حَمَلَ ذَلِكَ الْحَصْبَاءَ الَّذِي تَنَجَّسَ بِبَوْلِهِ فِي ثَوْبِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زَحْمَةِ الْمَوْسِمِ فَخَشِيت أَنْ يَطَأَهُ النَّاسُ وَيَتَنَجَّسُوا بِهِ قَبْلَ تَطْهِيرِهِ قَالَ: ثُمَّ تَذَكَّرْت قَوْلَهُ: - ﷺ - لَا تَزْرِمُوهُ فَنَدِمْت عَلَى إفْحَاشِي عَلَيْهِ وَرُبَّمَا كَانَ جَاهِلًا أَوْ سَبَقَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ قَالَ: فَابْتُلِيت فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِأَنْ سَبَقَنِي الْبَوْلُ فِي إزَارِي وَرِدَائِي وَأَنَا مُحْرِمٌ وَكَانَ عِنْدَهُ تَحَرُّزٌ فِي الطَّهَارَةِ، وَرُبَّمَا جَاوَزَهَا إلَى الْوَسْوَسَةِ قَالَ فَخَرَجْت مِنْ الْمَسْجِدِ وَبَقِيت حَائِرًا أَيْنَ أَتَطَهَّرُ وَأُطَهِّرُ إحْرَامِي مَعَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَكَثْرَتِهِمْ عَلَى الْمِيَاهِ بِمَكَّةَ، فَذَهَبْت إلَى فَسَاقِي بَابِ الْمُعَلَّى، فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنْ السَّقَّايِينَ الَّذِينَ فِي الرَّكْبِ لَا أَعْرِفُهُ وَلَا أَذْكُرُ أَنِّي رَأَيْته قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لِي أَهْلًا وَكَأَنَّك تُرِيدُ تَتَطَهَّرُ؟ فَقُلْت لَهُ: نَعَمْ فَأَعْطَانِي شَيْئًا اسْتَتَرْت بِهِ ثُمَّ نَزَعَ إزَارِي وَرِدَائِي وَدَعَا صِبْيَانَهُ فَأَمْسَكَ بَعْضَهُمْ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ وَأَفْرَغَ بالدَّلْو مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ حَتَّى طَابَتْ نَفْسِي بِتَطْهِيرِهِمَا وَوَقَفَ الصِّبْيَانُ بِهِمَا فِي الْهَوَاءِ حَتَّى جَفَّا وَأَمَرَهُمْ فَصَبُّوا عَلَيَّ حَتَّى طَابَتْ نَفْسِي بِحُصُولِ الطَّهَارَةِ، ثُمَّ أَلْبَسُونِي إحْرَامِي، فَصِرْت مُتَعَجِّبًا مِنْ وُقُوعِ مِثْلِ هَذَا مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَعَلِمْت أَنَّ ذَلِكَ بِنَدَمِي عَلَى إفْحَاشِي عَلَى الَّذِي سَبَقَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وانظر طرح التثريب (٢/ ١٣٩)
[ ٨٣ ]