وهذه المسألة مما قد اختلفت فيها أقوال العلماء على نحو ما يلي:
نقول أولًا: أجمع العلماء على أنَّ المحدث حدثًا أصغر يجوز له الجلوس في المسجد، سواء مكث بغرض شرعي، كانتظار صلاة أو اعتكاف أو تعلم قرآن أوعلم، أو لغير غرض شرعي. (٣)
أما عن حكم دخول الحائض إلى المسجد والمكث فيه فهذه المسألة ممَّا قد اختلف فيها العلماء، والراجح فيها - والله أعلم - هو قول الأئمة الأربعة - خلافًا للظاهرية - وهو تحريم مكث الحائض فى المسجد،وكل ما يُلحق بالمسجد من أدوار قد أعدت للصلاة فيها (٤)، وهو مروي عن ابن عباس وابن مسعود، وأدلة هذا القول ما يلى: ــ
_________________
(١) أخرجه أبوداود في الزهد (٤٤١) وسنده صحيح، وانظر بدائع الفوائد (٤/ ٩٣).
(٢) وانظر شرح الموطأ للزرقاني (١/ ٦٠٣)
(٣) انظر المجموع (٢/ ١٧٣)
(٤) وانظر بدائع الصنائع (١/ ١٦٧) والمحلى (٢/ ١٥٩) وفيض القدير (٢/ ٥٠٣) والإفصاح (١/ ١٠٣)
[ ٩٧ ]
١ - قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (النساء /٤٣)
وجه الدلالة: إذا مُنع الجنب من المكث فى المسجد - إلا إذا كان عابرًا - رغم كونه أخف حالًا من الحائض، فإنَّ الحائض تمنع من ذلك من باب أولى. (١)
٢ - حديث عائشة - ﵂ - أنَّ النبى - ﷺ - قال لها لمَّا حاضت: افعلي ما يفعل الحاج، غير أنْ لا تطوفي بالبيت حتى تَغْتَسِلِي. (٢)
فِي قَوْلِهِ «لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي»: دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْحَائِضِ وَإِنْ انْقَطَعَ عَنْهَا دَمُهَا عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ قَالَ وَفِيهِ تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنْ الْأَقْذَارِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ. (٣)
٣ - عن عائشة - ﵂ - قالت: قال النبيﷺ- ناوليني الخُمرة من المسجد، فقلت إني حائض، فقال ﷺ: إنَّ حيضتك ليست في يدك. (٤)
_________________
(١) وانظر نيل الأوطار (١/ ٢٣٠) والفتاوى النسائية لابن باز (ص /٥٥) وتسهيل أحكام الحيض (ص/٢٤)
(٢) متفق عليه
(٣) وانظر طرح التثريب (٥/ ١٠٥) وتنقيح التحقيق (٣/ ٥٠٧) والشرح الممتع (٧/ ٢٦٢) فإن قيل: إنما نهى النبي -ﷺ - عائشة - ﵂عن الطواف لأنَّ الطواف بالبيت صلاة، والصلاة يشترط لها الطهارة، قلنا: لا يمتنع أن يكون الحكم قد تعلق بالسببين، والمعنى: انَّ النهي عن الطواف سببه كون الطواف صلاة، وكون الطواف يقع في المسجد، الذي أمر الشرع بتطهيره من النجاسات، والله أعلم.
(٤) أخرجه مسلم (٢٩٨) والترمذى (١٣٤) الْخُمْرَةُ: السَّجَّادَةُ يَسْجُدُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّى، سُمِّيَتْ خُمْرَةً، لأَنَّهَا تُخَمِّرُ وَجْهَ الْمُصَلِّى عَنِ الأَرْضِ، أَي: تَسْتُرُهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْخُمْرَةُ: شَيْءٌ مَنْسُوجٌ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ تُرْمَلُ بِالْخُيُوطِ، وَهُوَ صَغِيرٌ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْجُدُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّى، أَوْ فُوَيْقَ ذَلِكَ، فَإِنْ عَظُمَ حَتَّى يَكْفِيَ لِجَسَدِهِ كُلِّهِ فِى صَلاتِهِ أَوْ مَضْجَعِهِ، أَوْ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ حِينَئِذٍ حَصِيرٌ وَلَيْسَ بِخُمْرَةٍ.، انظر غريب الحديث (١/ ٢٧٧) وشرح السنة (٢/ ١٦٣)
[ ٩٨ ]
وجه الدلالة: فهمت عائشة - ﵂ - -أنَّ الحائض لا تدخل المسجد فأقرها النبىﷺعلى هذا الفهم، ولكن بيَّن لها أنَّ دخول يدها بالمناولة لا يعتبر دخولًا لها. (١)
٤ - عن أم عطيةرضي الله عنها- قالت: أُمرنا أن نُخْرِج، في العيدين، العَوَاتق، وذوات الخدور، وأمر الْحُيَّض أن يعتزِلْنَ مصلى المسلمين. (٢)
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَهْجُرُ ذِكْرَ اللَّهِ، وَمَوَاطِنَ الْخَيْرِ، وَمَجَالِسَ الْعِلْمِ، إِلا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، ووجه الدلالة من ذلك أنَّ الحائض إذا كانت تُمنع من دخول المصلى، فمن باب أولى تُمنع من دخول المسجد. (٣)
٥ - عن عائشة - ﵂ - أنَّ النبى - ﷺ - كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فترجل رأسه وهي حائض (٤)
_________________
(١) وانظر الفقه الإسلامي وأدلته (١/ ٥٥١) ومعالم السنن (١/ ٨٢) وأعلام الموقعين (٣/ ١٦) والثمر المستطاب (١/ ٧٤١).
(٢) متفق عليه، العواتق: جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وقيل هي التي قاربت البلوغ. وقيل هي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس. والتعنيس طول المقام في بيت أبيها بلا زوج حتى تطعن في السن، وأما الخدر فهو الستر يكون في ناحية البيت تصان فيه المرأة، انظر فتح الباري (١/ ٤٢٤) وشرح مسلم للنووي (٦/ ١٧٨)
(٣) انظر شرح السنة (٢/ ٦١١) وصحيح فقه السنة (١/ ١٨٥) والتعليقات الرضية (١/ ٢٨١)
(٤) متفق عليه
[ ٩٩ ]
وفي الحديث فائدة: وهي أنَّ الحائض لا تمكث في المسجد؛ لئلا تلوثه. (١)
فلو كان جائزًا للحائض أن تدخل المسجد لكان الأيسر لعائشة - ﵂ - أن تدخل المسجد لترجل رأس النبي - ﷺ - بدلًا من أن يخرج رأسه هو - ﷺ - إلى حجرتها لترجله، والله أعلم.
تنبيه: ما روى مرفوعًا (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (٢)
_________________
(١) وانظر فتح الباري (١/ ٤٠١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ١٩٩) وتيسير العلاَّم (١/ ٤٠٤) وصحيح فقه السنة (١/ ١٨٧)
(٢) وقد أخرجه أبو داود (٢٣٢) فهذا مما لم يصح سنده عن النبى - ﷺ - فقد ضعَّفه جملة من العلماء كالبخاري وأحمد والنووي وابن حزم وعبد الحق والبيهقي، وأعلُّوه بجملة من العلل منها:
(٣) فى سنده جسرة بنت دجاجة، قال البخاري في تاريخه: جسرة عندها عجائب. ا. هـ. وقال ابن حجر: مقبولة، يعني عند المتابعة، وقال البيهقى: فيها نظر ا. هـ فمدار الحديث على جسرة، وهي ممَّن لا يحتمل التفرد.
(٤) كذلك في سنده أفلت بن خليفة، قال عنه ابن حزم: "أفلت غير مشهور ولا معروف بالثقة وحديثه هذا باطل. ا. هـ. قال البغوي: "ضعَّف أحمد هذا الحديث لأنه من رواية أفلت وهو مجهول ا. هـ قال الخطابي: ضعفوا هذا الحديث، وقالوا: أفلت راويه: مجهول لا يصح الاحتجاج بحديثه، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أفلت بن خليفة فقال: شيخ. «وقول أبي حاتم في الراوي: «شيخ» ليس بجرح ولا توثيق، وهو عنوان تليين لا تمتين». قلت: قد ورد الحديث من طريق آخر راوه ابن ماجه برقم (٦٤٥) من رواية جسرة، وهو أيضًا لا يصح سنده، ففى سنده محدوج الذهلى، وهو ساقط يروي المعضلات، وفي اللآلىء عن البيهقي قال (محدوج)، قال البخاري عنه: محدوج عن جسرة فيه نظرا. هـ «قلت: وإذا قال البخاري: «فيه نظر» فهو يريد الجرح في الأعم الغالب»
(٥) كذلك في سنده أبو الخطاب الهجري، وهو مجهول، وانظر الجرح والتعديل (٢/ ٣٤٦) والمحلى (٢/ ١٦٠) والمجموع (٢/ ١٨٢) والفوائد المجموعة (٢/ ٤٥٩) ولسان الميزان (١/ ٣٩٩) وصحيح ابن خزيمة (١/ ٦٩٥) والسلسلة الضعيفة (١٣/ ٦٢٠)
[ ١٠٠ ]
هو حديث لا يصح عن النبي - ﷺ -.
فتوى هامة: سُئل العلامة ابن باز -﵀ - عن مسجد يتكون من ثلاثة أدوار: الدور الأعلى مصلى للنساء، والدور الذي تحته المصلى الأصلي، والدور الذي تحته فصول دراسية نسائية ومكان لصلاة النساء أيضًا، فهل يجوز للنساء الحُيَّض دخول هذا الدور السفلي؟
[الْجَوَابُ]
الحمد لله: إذا كان المبنى المذكور قد أُعد مسجدًا ويسمع أهل الدورين الأعلى والأسفل صوت الإمام صحَّت صلاة الجميع، ولَم يجُز للحُيّض الجلوس في المحل المعد للصلاة في الدور الأسفل؛ لأنه تابع للمسجد، وقد قال النبي -ﷺ-: (إني لا أُحل المسجد لحائض ولا جنب) (١). أما مرورها بالمسجد لأخذ بعض الحاجات مع التحفظ من نزول شيء من الدم فلا حرج في ذلك، لقوله سبحانه: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾.
ولما ثبت عن النبي -ﷺ- أنه أمر عائشة أن تناوله الخمرة من المسجد، فقالت إنها حائض فقال ﷺ (إنَّ حيضتك ليست في يدك).
أما إن كان الدور الأسفل لم ينوه الواقف من المسجد، وإنما نواه مخزنًا فإنه لا يكون له حكم المسجد، ويجوز للحائض والجنب الجلوس فيه، ولا بأس بالصلاة فيه في المحل الطاهر الذي لا يتبع دورات المياه، لكن من صلَّى فيه لا يتابع الإمام الذي فوقه إذا كان لا يراه ولا يرى بعض المأمومين؛ لأنه ليس تابعًا للمسجد في الأرجح من قولي العلماء. (٢)
وسُئل الشيخ ابن العثيمين - ﵀- هل يجوز لمعلمة القرآن في الحِلَق أنْ تجلس في المسجد لتعليم الفتيات وهي حائض؟
_________________
(١) وهذا الحديث مما لا يصح سنده، وقد سبق تخريجه.
(٢) وانظر الأحكام الشرعية في الفتاوى النسائية (ص/٥٥)
[ ١٠١ ]
الجواب
لا، فإنَّ النبي - ﷺ - أمر الحيَّض أنْ يعتزلن مصلى العيد مع أنه خير ودعوة، وكذلك منع الحائض من أن تطوف بالبيت. ا. هـ
فوائد:
١ - الْحَائِضُ وَالنفَسَاء يجوز مرورُهمَا في المسجد إِنْ أَمِنَتا كل وَاحِدَة مِنْهُمَا التلوِيثَ فِي حَالِ الْمُرُورِ،، وَإِلَّا فَلَا. فقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «نَاوِلِينِى الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ» فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِكِ» (١)، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ مُرُورِ الْحَائِضِ فِى الْمَسْجِدِ، وَالنُّفَسَاءُ فِى مَعْنَاهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٢)
٢ - المستحاصة يجوز لها دخول المسجد والمكث فيه، وذلك إذا تلجَّمت بإحكام، ودليل ذلك: حديث عائشة - ﵂قالت: اعتكفت مع رسول الله - ﷺ - امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة، والطست تحتها وهي تصلي. (٣)
ففِي هذا الْحَدِيثِ دلالة على جَوَاز مُكْث الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَصِحة اعْتِكَافِهَا وَصَلَاتِهَا وَجَوَازُ حَدَثِهَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ أَمْنِ التَّلْوِيثِ وَيَلْتَحِقُ بِهَا دَائِمُ الْحَدَثِ وَمَنْ بِهِ جُرح يَسِيلُ. (٤)
قال ابن القيم: وَالْمُسْتَحَاضَةُ يَجُوزُ لَهَا دُخُولُ الْمَسْجِدِ لِلطَّوَافِ إذَا تَلَجَّمَت اتِّفَاقًا. ا. هـ. (٥)
_________________
(١) سبق تخريجه
(٢) وانظر أعلام الموقعين (٣/ ٢٤)
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٩) وأبوداود (٢٤٧٦) وترجم له البخاري بقوله "اعتكاف المستحاضة "
(٤) انظر فتح الباري (١/ ٥٩٨) والفقه الإسلامى وأدلته (١/ ٥٥٨) وعون المعبود (٤/ ٥٥٤)
(٥) انظرأعلام الموقعين (٣/ ٢٤) وتسهيل أحكام الحيض (ص/٢٧)
[ ١٠٢ ]