إنَّ المساجد التى هى بيوت الله تعالى قد أذن الله- تعالى- ببناءها ورفعها لتكون مواطن لذكر الله وعبادته.
قال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦» (النور/٣٦)
وقال تعالى (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (الحج /٤٠) فدل على أنَّ الأصل فى المساجد أنها بُنيت لذكر الله تعالى.
_________________
(١) انظر تاريخ بغداد (٢/ ٣٢٢) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٤٥) وصفة الصفوة (٢/ ٢٦٤)
(٢) وانظر مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٠٢)
[ ٩٠ ]
وقال تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (الجن /١٨)
والْمُرَادُ بِإضَافَةِ المساجد لِلَّهِ - تَعَالَى - في الآية: هِيَ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ لهذه المساجد، التي هي بيوت الله - تعالى - في الأرض، مَعَ ما في هذه الاضافة من الْإِشْعَارِ بِاخْتِصَاصِ المساجد للَّهِ، أَيْ: بِعِبَادَتِهِ وَذِكْرِهِ، كَمَا في قوله تَعَالَى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاة وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) (النور /٣٦ - ٣٧) وَلِهَذَا مُنِعَتْ مِنَ اتِّخَاذِهَا لِأُمُورِ الدُّنْيَا مِنْ بَيْعٍ وَتِجَارَة. (١)
وكذلك ورد في سنة النبي - ﷺ - ما يؤكد هذا المعنى،كما في حديث الأعرابي الذي دخل فبال في ناحية المسجد، فلما قضى بوله،قال له النبي - ﷺ -: إنَّ هذه المساجد لم تبن لهذا. (٢)
قال القرطبي: قول النَّبِيِّ - ﷺللرَجُل للذي قَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ: (لَا وَجَدْتَ إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَلَّا يُعْمَلَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ الصَّلَوَاتِ وَالْأَذْكَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. (٣)
_________________
(١) وانظر أضواء البيان (٨/ ٣٢١)
(٢) متفق عليه
(٣) وانظر الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٧٨). والاستذكار (٢/ ٣٦٨) والشرح الممتع (٤/ ٥٣٣)
[ ٩١ ]
وتأمل في هذه الواقعة: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ﵁ - قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السِّتْرَ، وَقَالَ: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ»، أَوْ قَالَ: «فِي الصَّلَاةِ» (١)
ففي هذا الحديث قد نهى النبي - ﷺعن التشويش على أهل المسجد من المصلين والقارئين، حتى ولو كان هذا التشويش بصوتٍ يعلو من قارىء للقرآن، فكيف إذا كان هذا التشويش بأمر من أمور الدنيا؟ ! !
لذا وبناءً على ما سبق فقد حرَّم الشرع كل ما من شأنه التشويش على عمَّار المساجد من المصلين أو القارئين؛ وذلك لأنَّ هذا ينافى الوظيفة الرئيسية التى من أجلها بُنيت المساجد، والتى هى تعميرها بذكر الله وعبادته.
ومن هنا ولهذه العلة فقد ورد فى الشرع النهى عن جملة من الأمور أن تُفعل فى المسجد؛ وذلك لأنَّ من شأنها التشويش على المصلين، ومن ذلك النهي عن البيع والشراء في المسجد.
كما أنَّ ممارسة البيع في المسجد تخالف المقصود الذي بُنيت من أجله المساجد.
دليل تحريم البيع والشراء فى المسجد: عن أبي هريرةرضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك " (٢)
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١٨٩٦) وأبوداود (١٣٣٢) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٩٧)
(٢) أخرجه الترمذي (١٣٢١) وابن خزيمة (١٣٠٥) وحسنه الترمذى وصححه الألبانى فى الإرواء (ح/ ١٢٩٥) فائدة: الظاهر من الحديث أنَّ الدعاء على من باع فى المسجد يكون قولًا باللسان جهرًا، للحديث الذى رواه مسلم عن بريدة أنَّ رجلًا نشد جملًا فى المسجد، فقال النبي - ﷺ -: لا وجدت، وانظرسبل السلام (١/ ٣٠٩) وتحفة الأحوذي (٤/ ٤٥٨) والثمر المستطاب (١/ ٦٩١)
[ ٩٢ ]
كذلك فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الشراء والبيع في المسجد. (١)