والمكث فى المسجد لانتظار الصلاة ممَّا رغَّب فيه الشرع فعن أبي هريرة -﵁أنَّ النبي -ﷺ- قال: لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف، أو يحدث "، قلت: وما يحدث؟ قال: " يفسو أو يضرط " (١)
وعن عقبة بن عامر - ﵁- قال النبي -ﷺ -: القاعد على الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إلى بيته) (٢)
_________________
(١) أخرجه أحمد (٩٣٧٤) والبخاري (١٧٦) ومسلم (٦٤٩) واللفظ لمسلم.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٤٤٠) وابن حبان (٢٠٣٨) وابن خزيمة (١٤٩٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٣٧)
[ ٤٥ ]
وممَّا ورد في ذلك حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ- خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟» قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي، أَنَّ اللهَ ﷿ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» (١)
* عن أبي هريرةرضي الله عنه - عن النبي -ﷺ - قال: " ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات، ويكفر به الخطايا؟ كثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره. (٢)
قال ابن رجب: وكذلك حبس النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مألوفاتها من الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إليها، إما لكسب الدنيا أو للتنَزُّه، هو مِنْ هذه الجهة مؤلم للنفس، فيكونُ كفارةً. ا. هـ (٣)
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦٨٣٥) ومسلم (٢٧٠١) والترمذي (٣٣٧٩)
(٢) أخرجه أحمد (٨٦٤٤) ومسلم (٢٥١) والترمذي (٥١)
(٣) وانظر جامع العلوم والحكم (١/ ٤٤٣)
[ ٤٦ ]
وعن أبي هريرةرضي الله عنه - قال: قال النبي - ﷺ -: وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده. (١)
هَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ لِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَمُدَارَسَتِهِ، وَهَذَا إِنْ حُمِلَ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ.
عن عَنْتَرة بن عبد الرحمن قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى ابن عباس -﵄فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَى الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " ذكر الله، اللَّهِ أَكْبَرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ "، ثُمَّ قَالَ: مَا جَلَسَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بيوت الله ﵎، يَتَدَارَسُونَ كتاب الله تعالى، وَيَتَعَاطَوْنَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا أَظَلَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَإِلَّا كَانُوا أضياف الله ﵎ حَتَّى يَقُومُوا. (٢)
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٤٢٧) ومسلم (٢٦٩٩) وأبو داود (١٤٥٥)
(٢) أخرجه الدارمي (٣٦٨) والبيهقي في الشعب (٦٦١) وسنده صحيح، وقد ورد هذا الأثر مرفوعًا عند الهيثمي في الزوائد (٧/ ١٢٧) وابن حجر في الإصابة (٧/ ١١٦)، وسنده ضعيف.
[ ٤٧ ]
والمسجد هو المقر الرسمي لتقسيم ميراث النبي ﷺ: وميراث النبي -ﷺ - الذي هو الكتاب والسنة إنما محله هو المسجد، ففيه تُذكر آيات الكتاب والحكمة، فيه قرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، فجرًا وبالأسحار.
عن عُقْبَةَ بن عامرٍ الجُهَنِي- ضى الله عنه- قال: خرج علينا رسول اللهﷺفقال: " أيكُمْ يحب أن يغدوَ إلى بُطْحَانَ أو العقيقِ، فيأخذَ ناقتين كَوْمَاوينِ زَهْرَاوبنِ بغير إثم بالله ﷿، ولا قَطْع رَحِم؟ قالوا: كلنا يا رسول الله، قال: " فَلأنْ يغدوَ أحدُكم كل يوم إلى المسجدِ، فيتعلَّمَ آيتين من كتاب الله ﷿: خيرٌ له من ناقتين، وإن ثلاثٌ فثلاثٌ، مثلَ أعدادهنَّ من الإبل ". (١)
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٧٤٠٨) ومسلم (٨٠٣) وأبوداود (١٤٥٦) غريب الحديث: (الصفة) أي في موضع مظلل من المسجد الشريف كان فقراء المهاجرين يأوون إليه وهم المسمون بأصحاب الصفة وكانوا أضياف الإسلام (يغدو) أي يذهب في الغدوة وهي أول النهار (بطحان) اسم موضع بقرب المدينة (العقيق) واد بالمدينة (كوماوين) الكوماء من الإبل العظيمة السنام.
[ ٤٨ ]
* فهذا هو ميراث النبي -ﷺ - من الكتاب والسنة، فالأنبياء ما ورَّثوا درهمًا ولا دينارًا، إنما ورَّثوا هذا الدين، ميراث ليس محله بيت المال، إنما محله بيت الله «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) تأمل: فالآيات بدأت بذكر الله وتسبيحه فى المسجد، وخُتمت بقوله تعالى "وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ "، ولنعم الرزق للمرء طاعة الله، ولنعم الميراث هدي النبي -ﷺ (١)،
_________________
(١) ما روى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ مَرَّ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «يَا أَهْلَ السُّوقِ، مَا أَعْجَزَكُمْ» قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: «ذَاكَ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِﷺ- يُقْسَمُ، وَأَنْتُمْ هَاهُنَا لَا تَذْهَبُونَ فَتَأَخُذُونَ نَصِيبَكُمْ مِنْهُ» قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: «في الْمَسْجِدِ» فَخَرَجُوا سِرَاعًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَوَقَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ: «مَا لَكُمْ؟» قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَلَمْ نَرَ فِيهِ شَيْئًا يُقْسَمُ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا؟» قَالُوا: بَلَى، رَأَيْنَا قَوْمًا يُصَلُّونَ، وَقَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَقَوْمًا يَتَذَاكَرُونَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: «وَيْحَكُمْ، فَذَاكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ ﷺ». قد أخرجه الطبرانى فى المعجم الأوسط (١٤٢٩) فى سنده عَلِيِّ بْنِ مَسْعَدَةَ، قال البخاري عنه: فيه نظر، وصعفه الذهبي وأبوداود ولينه النسائى وذكره العقيلي في " جملة الضعفاء"، وكذلك فى سنده عَبْدُ اللَّهِ الرُّومِيُّ، قال الذهبي فى الميزان "مجهول، وانظرالكامل في الضعفاء (٦/ ٣٥٣) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٠٧) ونثل النبال (٢/ ١٠٠٣)
[ ٤٩ ]