١ - الحث على صلاة النفل في البيوت.
٢ - قوله "ولا تتخدوها قبورًا" له تأويلات:
أ- هو جزء مستقل عمَّا قبله، والمعنى: لا تتخذوا البيوت مقابر لدفن الموتى، فهو نهي عن الدفن في البيوت. (١)
ب- أى صلُّوا فى بيوتكم ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة، ولا تكونوا في بيوتكم كالموتى في قبورهم، فشبَّه البيوت التي لا يُصلَّى فيها بالقبور التي لا يمكن للموتى التعبد فيها. (٢)
قلت: والمعنى الثاني هو الراجح - والله أعلم - بدلالة قوله ﷺ "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ " (٣) فأمر بقراءة القرآن في البيوت؛ لئلا تكون كالمقابر التي لا يُقرأ فيها القرآن.
وَسُئِلَ شيخ الإسلام عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -" ﴿لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا﴾.
_________________
(١) فائدة: وهذا النهى عن الدفن في البيوت هو نهي كراهة، حيث أنَّ أبا بكر وعمر دفنا في حجرة النبى - ﷺ - لفضيلة المجاورة، وإن كان الأفضل أن يكون الدفن فى المقابر،وإذا دفن المرء في بيته لم تحرم الصلاة فى هذا البيت؛ فقد كانت عائشة - ﵂ - تصلي في حجرتها بعد الدفن فيها،ولم تكن تخرج من الحجرة، ولو فعلت لنقل واشتهر،فإنَّ المحرم هو قصد هذا البيت الذى به القبر لفضيلته مثلًا، لوجود القبر فيه،أو لمن صلى إلى القبر، أي قد اتخذه قبلة يصلي إليها، والله أعلم.
(٢) انظر فيض القدير (١/ ١٦٠) وشرح السنة (٢/ ٥١٦) وشرح مسلم للنووي (٣/ ٣٢٦)
(٣) أخرجه مسلم (٧٨٠)
[ ١٦٣ ]
فَأَجَابَ: وَأَمَّا لَفْظُ الْحَدِيثِ ﴿اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ وَإِذَا لَمْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا كُنْتُمْ كَالْمَيِّتِ وَكَانَتْ كَالْقُبُورِ؛ فَإِنَّ فِى الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِي - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ﴾ وَفِي لَفْظٍ ﴿مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ﴾ ا. هـ. (١)
وهنا فوائد: -
١ - من لم يتيسَّر له صلاة السُنة البعدية للفريضة في البيت؛ لانشغاله بعمل أو غيره، أو لأنه يعلم من حاله أنه يكسل عن أداءها في البيت، فإنه يصلِّيها في المسجد، ولكن يجب عليه أنْ يفصل بين الفريضة والنفل بقيام أو كلام، مثل ختم الصلاة مثلًا؛ لقول معاوية﵁ -: أُمرنا أن لا نوصل صلاة بصلاة، حتى نتكلم أو نخرج. (٢)
قال شيخ الإسلام: وَالسُّنَّةُ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا. كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّهُ - ﷺ - نَهَى أَنْ تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا بِقِيَامٍ أَوْ كَلَامٍ﴾ فَلَا يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ. يَصِلُ السَّلَامَ بِرَكْعَتَيْ السُّنَّةِ فَإِنَّ هَذَا رُكُوبٌ لِنَهْى النَّبِي -ﷺ -، وَفِى هَذَا مِنْ الْحِكْمَةِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَغَيْرِ الْفَرْضِ كَمَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَغَيْرِ الْعِبَادَةِ. ا. هـ (٣)
٢ - التنفل في البيت أفضل من أداءه في هذه المساجد الثلاثة؛ لظاهر قوله ﷺ (أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة) ولصريح قوله ﷺ (صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلا المكتوبة)
_________________
(١) وانظر مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٣١)
(٢) أخرجه مسلم (٨٨٣) وأبوداود (١١٢٩) وهذا الخطأ مما يقع فيه الكثير، حيث تراهم بعد تسليمهم مع الإمام، يقومون مباشرة إلى صلاة السُنة.
(٣) وانظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٠٣) بل قد ذهب الألباني إلى حرمة المبادرة إلى صلاة السنة بعد الفريضة دون تكلم أو خروج " قلت: وهو الظاهر- والله أعلم - لورود الأمر بذلك.
[ ١٦٤ ]
قال ابن عبد البر: فَإِذَا كَانَتِ النَّافِلَةُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﵇ وَالصَّلَاةُ - الذى فِيهِ الصلاة بِأَلْفِ صَلَاةٍ، فَأَيُّ فَضْلٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟ ! (١)
قال زين الدين العراقي: قال والدي -﵀- تَكُونُ النَّوَافِلُ فِي الْمَسْجِدِ مُضَاعَفَةً بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَلْفٍ فِي الْمَدِينَةِ، وَمِائَةِ أَلْفٍ فِي مَكَّةَ وَيَكُونُ فِعْلُهَا فِى الْبَيْتِ أَفْضَلُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» بَلْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي مَسْجِدِهِ - ﷺ -. (٢)