قال الشنقيطي: وَهُنَا سُؤَالٌ يَفْرِضُ نَفْسَهُ: لِمَاذَا كَانَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِمَاذَا اشْتُرِطَ التَّطَهُّرُ فِي بَيْتِهِ لَا مِنْ عِنْد الْمَسْجِدِ؟ وَلَقَدْ تَطَلَّبْتُ ذَلِكَ طَوِيلًا فَلَمْ أَقِفْ عَلَى قَوْلٍ فِيهِ، ثُمَّ بَدَا لِي مِنْ وَاقِعِ تَارِيخِهِ، وَارْتِبَاطِهِ بِوَاقِعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَنَّ مَسْجِدَ قُبَاءٍ لَهُ ارْتِبَاطَاتٌ عَدِيدَةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ:
_________________
(١) وانظر قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام وعبادات أهل الشرك (١/ ٦٢) فائدة: القول بسنية إتيان مسجد قباء يوم السبت خاصة، استدلالًا بأثر ابن عمر، فيه نظر، والله أعلم، فقد ذكر العلماء أنَّ تخَصَّيص السَّبْتَ إنَّما كان لِأَجْلِ مُوَاصَلَتِهِ لِأَهْلِ قُبَاءٍ وَتَفَقُّدِهِ لِحَالِ مَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ مَعَهُ - ﷺ - فِي مَسْجِدِهِ بِالْمَدِينَةِ، ومما يؤيد أنَّ السبت ليس مقصودًا لذاته، ما أخرجه أحمد بسند صحيح (١١٤٣٤) عن أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه -: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- إلى قباء يوم الأثنين،، وانظر شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٧٧) ورسالة أحكام العمرة للمصنف (ص/١٢)
[ ٢٠ ]
أَوَّلًا: مِنْ حَيْثُ الزَّمَنِ، فَهُوَ أَسْبَقُ مِنْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمِنْ حَيْثُ الْأَوَّلِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ، فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ. وَمَسْجِدُ قُبَاءٍ أَوَّلُ مَسْجِدٍ بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ.
وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ بَنَاهُ الْخَلِيلُ، وَمَسْجِدُ قُبَاءٍ بَنَاهُ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ.
وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ كَانَ مَكَانُهُ بِاخْتِيَارٍ مِنَ اللَّهِ، وَشَبِيهٌ بِهِ مَكَانُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ.
وَمِنْ حَيْثُ الْمَوْضُوعِيَّةُ; فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ مَأْمَنٌ وَمَوْئِلٌ لِلْعَاكِفِ وَالْبَادِ.
وَمَسْجِدُ قُبَاءٍ مَأْمَنٌ وَمَسْكَنٌ وَمَوْئِلٌ لِلْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَلِأَهْلِ قُبَاءٍ، فَكَانَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ شِدَّةُ ارْتِبَاطٍ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَجْعَلُ الْمُتَطَهِّرَ فِي بَيْتِهِ وَالْقَاصِدَ إِلَيْهِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ. وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ اشْتِرَاطَ التَّطْهِيرِ فِي بَيْتِهِ لَا عِنْدَ الْمَسْجِدِ شِدَّةُ عِنَايَةٍ بِهِ أَوَّلًا، وَتَمْحِيصُ الْقَصْدِ إِلَيْهِ ثَانِيًا، وَتَشْبِيهٌ أَوْ قَرِيبٌ بِالْفِعْلِ مِنَ اشْتِرَاطِ الْإِحْرَامِ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْحِلِّ، لَا مِنْ عِنْدِ الْبَيْتِ فِي الْعُمْرَةِ الْحَقِيقَةِ، لَمَّا كَانَ بَعِيدًا. فَالتَّطَهُّرُ مِنْ بَيْتِهِ وَالذَّهَابُ إِلَى قُبَاءٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ كَالْإِحْرَامِ مِنَ الْحِلِّ وَالدُّخُولِ فِي الْحَرَمِ لِلطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، كَمَا فِيهِ تَعْوِيضُ الْمُهَاجِرِينَ عَمَّا فَاتَهُمْ مِنْ جِوَارِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قَبْلَ الْفَتْحِ - وَاللَّهُ أَعْلم -. (١)
_________________
(١) وانظر أضواء البيان (٨/ ٣٢٦)
[ ٢١ ]