١ - أنَّ الذي لا يصلِّي إلى سترة، وأراد المار أن يمر بين يديه فليس له دفعه، فإنَّ التحريم المذكور في المرور بين يدي المصلِّي حديث إنما هو لمن صلى إلى سترة، فأما إذا لم يصل إلى سترة، فلا يحرم المرور بين يديه. واتفق العلماء على أنَّ منع المار بين يدي المصلِّي إنما هو لمن لم يفرط في صلاته، فصلى إلى سترة. (١)
قال النووي: وَالصحيح أنه لَيْسَ لَمن صلَّى إلى غير سترة دفْعُ من مر أمامه؛ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ؛ وَلِمَفْهُومِ قَوْلِهِ -ﷺ - " إذَا صَلَّى أحدكم إلى شيء يَسْتُرُهُ " وَلَا يَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَكِنْ يُكْرَهُ. ا. هـ (٢)
لكن نقول: من أرد المرور بين يدي المصلِّي الذي لا سترة له، فلا يمر إلا بعد مسافة ثلاثة أذرع من موضع قدمي المصلِّي، وهو المذهب عند الحنابلة.
_________________
(١) انظر معالم السنن (١/ ١٨٨) وصحيح ابن حبان (٦/ ١٢٨) وإحكام الأحكام (١/ ٢٨٣)
(٢) ذكره في المجموع (٣/ ٢٤٩)
[ ١٣٣ ]
٢ - أنَّ الذي يصلِّي إلى سترة وأراد أحد أن يمر بينه وبين سترته فله أن يمنعه من ذلك،كما ورد ذلك في حديث أبي سعيد الخدري -﵁عندما كان يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ فَنَظَرَ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا، إِلَّا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ فَعَادَ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفْعَةِ الْأُولَى، فَمَثَلَ قَائِمًا، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ، قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ جَاءَ يَشْكُوكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (١)
٣ - وقوله "فإنما هو شيطان": قد يكون أَرَادَ بالشيطان الْمَار بَين يَدَيْهِ نَفسه؛ وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان هُوَ المارد الْخَبيث من الْجِنّ وَالْإِنْس، وقيل معناه أنَّ الشيطان يحمله على ذلك وأنه من فعل الشيطان وتسويله، والصحيح - والله أعلم - هو المعنى الثاني؛ وذلك لما ورد عند مسلم من طريق ابن عمر مرفوعًا "فليقاتله فإنَّ معه القرين " يريد الشيطان (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٠٥)
(٢) وانظر معالم السنن (١/ ١٨٨) وعمدة القاري (٤/ ٢٩١) وشرح الموطأ للزرقاني (١/ ٥٣٤)
[ ١٣٤ ]
سؤال: ما حكم المرور بين يدي المصلِّي في الحرم؟
الجواب: جوَّز جمهور العلماء المرور بين يدى المصلِّي فى الحرم خاصه؛ ذلك للمشقة الشديدة في التحرز من ذلك؛ حيث أنَّ ازدحام الحرم بالمصلِّين يصعب معه التحزر من عدم المرور بين يدى المصلِّين.
والراجح - والله أعلم - هو عدم جواز المرور بين يدىِّ المصلي في الحرم وغيره، ويدل على ذلك:
١ - عن أبي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ- بِمَكَّةَ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ قَالَ: فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوئِهِ، فَمِنْ نَائِلٍ وَنَاضِحٍ، قَالَ: «فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ قَالَ: «فَتَوَضَّأَ» وَأَذَّنَ بِلَالٌ، قَالَ: «ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، لَا يُمْنَعُ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ (١).
ففي هذا الحديث قد اتخذ النَّبِيُّ - ﷺ- سترة في الأبطح، وهي من الحرم.
٢ - عموم قوله ﷺ (لو يعلم المار بين يدي المصلِّي ماذاعليه، لكان أنْ يقف أربعين، خيرًا له من أن يمر بين يديه) " (٢)
_________________
(١) متفق عليه، وقد بوَّب عليه البخاري ﵀ فقال: (باب السترة بمكة وغيرها) قال ابن حجر: (فأراد البخاري التنبيه على ضعف الحديث -أي حديث المطلب الآتي- وأنه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة) قال: وهذا هو المعروف عند الشافعية وأنه لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها ا. هـ وانظر فتح الباري (١/ ٥٧٦) وانظر أحكام العمرة للمصنف (ص/٢٤)
(٢) سبق تخرجه
[ ١٣٥ ]
٣ - وعن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر -﵁- يصلِّي في الكعبة، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه. (١)
٤ - وعن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك﵁- في المسجد الحرام قد نصب عصًا يصلِّي إليها. (٢)
قال ابن العثيمين: والسترة تُتخذ في الحرم لفعله ﷺ حين صلَّى بالأبطح - وهي من الحرم - إلى سترة. ا. هـ
قال الألباني: وعلى العلماء أنْ ينبهوا الناس إلى السترة، ويحثوهم عليها، ويبينوا لهم أحكامها، وأنها تشمل الحرمين الشريفين أيضًا. (٣)
_________________
(١) قال الألباني أخرجه ابن عساكر وسنده صحيح،وانظر الضعيفة (٢/ ٣٢٨)
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٨) وسنده صحيح.
(٣) ذكره في صفة الصلاة (ص/٨٣) فمن قال: يصعب علينا التحرز من مرور الناس أمامنا، ونحن نصلي في الحرم، قلنا الأمر يسير - بإذن الله- فالمرء يصلي إلى السترة ويد نو منها بقدر المستطاع، ويتخير الموضع الذي تقل فيه المارة، وليخفف صلاته، وقد فعلناه كثيرًا فتم لنا، ولله الحمد.
[ ١٣٦ ]
فهذه نصوص صحيحة صريحة أنَّ السترة تتخذ في المسجد الحرام. وعلى هذا فلا يجوز الصلاة لغير سترة في الحرم، ولا المرور بين يدي المصلِّي عامة، في الحرم وغيره، ولا أعلم دليلًا يستثني المسجد الحرام عن غيره، والوعيد في الأحاديث عام يستحقه كل من يمر بين يدي مصلٍّ في أي مكان. (١)