كذلك يسن الدعاء بعد الفراغ من هذه الأذكار: عن عبد الله بن عمرورضي الله عنهما -أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ المؤذنين يَفْضلوننا، فقال رسول الله - ﷺ -: " قُلْ كما يقولون، فإذا انتهيت فَسَلْ تعْطَهْ " (١)
قال ابن القيم: في الأذان خمس سنن: إجابته، وقول "رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ رسولًا- " وسؤال الله تعالى لرسوله -ﷺ - الوسيلة والفضيلة، والصلاة عليه - ﷺ -، والدعاء لنفسه ما شاء. (٢)
فائدة: قد اشتهر على الألسنة زيادة (الدرجة الرفيعة) في هذا الدعاء، وهي زيادة لا أصل لها في شيء من الأصول المفيدة، وقد قال الحفاظ السخاوي في (المقاصد الحسنة): (لم أرها في شيء من الروايات) وقال شيخه الحافظ العسقلاني في (التلخيص): (وليس في شيء من طرقه ذكر: الدرجة الرفيعة) (٣)
ثم يصلي ركعتي تحية المسجد: عن أبي قتادة - ﵁ - قال النبي ﷺ: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) (٤)
وقد اختلف العلماء فى حكم هاتين الركعتين، فقال الظاهرية والشوكاني بوجوبها؛ وذلك للأمر بها كما في حديث أبي قتادة السابق، والأمر للوجوب. (٥)
والراجح - والله أعلم - هو استحبابها، وهو قول الأئمة الأربعة وابن حزم. (٦)
_________________
(١) أخرجه أبوداود (٥٢٤) وقال الألباني حسن صحيح.
(٢) وانظر الوابل الصيَّب (ص/١٠٣) وتحفة الذاكرين (ص/١٤٩) وصحيح فقه السنة (١/ ٢٨٧)
(٣) وانظر الثمر المستطاب (ص /١٩١)
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٦٠١) ومسلم (٧١٤)
(٥) وانظر نيل الأوطار (٣/ ٦٨)
(٦) وانظر التيسير شرح الجامع الصغير (١/ ٩٣) والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣٣٤) والمحلى (٢/ ١٩٤)
[ ٥٤ ]
فالواجب على المسلم هو خمس صلوات لا غير، ودليل ذلك:
١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكرضي الله عنه - أنَّ النبي - ﷺ - ذكر حديث الإسراء، وفيه أنَّ الله - تعالى - قَال (هِي خَمْسٌ، وَهِي خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ) (١)
٢ - عن طلحة بن عبيد الله - ﵁ - أنَّ النبي -ﷺ - لمَّا سأله الأعرابي عن الصلوات، قال له النبيﷺ -: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال الرجل: هل على غيرهنَّ؟ قال له النبى - ﷺلا، إلا أن تتطوع. (٢)
قال ابن حجر: اتفق أئمة الفتوى على أنَّ الأمر في ذلك - أي ركعتين تحية المسجد - للندب. ا. هـ (٣)
قال القرطبي: وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالرُّكُوعِ عَلَى النَّدْبِ والترغيب. وَقَدْ ذَهَبَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ لَحَرُمَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ عَلَى الْمُحْدِثِ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ فِيمَا أَعْلَمُ ا. هـ (٤)
٣ - عن ابن عباس - ﵄ - أنَّ رسول الله - ﷺ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا - ﵁ - عَلَى اليَمَنِ، قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ. (٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٩) ومسلم (١٦٢)
(٢) متفق عليه
(٣) وانظر فتح الباري (١/ ٧٧٩)
(٤) وانظر الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٨١) ومعرفة السنن والآثار (٢/ ٣٣٥)
(٥) متفق عليه
[ ٥٥ ]
وهذا الحديث هو أقوى ما يُستدل به؛ لأنَّ بعث معاذ لليمن كان قبل وفاة النبي - ﷺ بيسير، ولو كانت تحية المسجد واجبة، لأمره ﷺ أن يخبرهم بأنَّ الله - تعالى - قد فرض عليهم ست صلوات، لا خمسًا. (١)
ويؤيد هذا الإستحباب: حديث أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا. (٢)
- لكن إذا كانت تحية المسجد سنة - على الراجح - فهي سنة مؤكدة لا تترك بحال، قال النووي: تحِيَّة الْمَسْجِد لَا تُتْرَكُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ تُبَاحُ فِى كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ فِي حَالٍ لَكَانَ هَذَا الْحَالُ أَوْلَى بِهَا، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ فَلَمَّا تُرِكَ لَهَا اسْتِمَاعُ الْخُطْبَةِ وَقَطَعَ النَّبي - ﷺ - لَهَا الْخُطْبَةَ وَأَمَرَهُ بِهَا بَعْدَ أَنْ قَعَدَ، وَكَانَ هَذَا الْجَالِسُ جَاهِلًا حُكْمَهَا دَلَّ عَلَى تَأَكُّدِهَا وَأَنَّهَا لَا تُتْرَكُ بِحَالٍ وَلَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٣)
_________________
(١) وانظر صحيح فقه السنة (١/ ٣٨٣)
(٢) أخرجه البخاري (٦٦)
(٣) ذكره النووي فى شرح مسلم (٣/ ٤٣٠)
[ ٥٦ ]
*فإن قيل: وهل لهاتين الركعتين حكمة في الشرع؟
فجوابه: لا شك أنَّ تأدية هاتين الركعتين لهما أثر فى نفوس الداخل إلى المسجد؛ إذ أنه يشعرهم أنَّهم قد ولجوا مكانًا ذا خاصية مميزة، فتتهيأ النفوس لذلك الأمر بما يليق به.
فرع: هل للبيت الحرام تحية كغيره من المساجد؟
قال شيخ الإسلام: الْمُحْرِمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ بِشَيءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ومَن قَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى الطَّوَافِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فقوله هذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ تَحِيَّتُهُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَهِيَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ، وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لَمْ يَبْدَءُوا بِشَيءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، أما من كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ ذَكَرَهَا حِينَ الدُّخُولِ، بَدَأَ بِهَا قَبْلَ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهَا وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ حِينَ يَذْكُرُهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَدْرَكَ مَكْتُوبَةً فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَخْشَى فَوَاتَ الطَّوَافِ. ا. هـ (١)
_________________
(١) بتصرف يسير من شرح عمدة الفقه (٣/ ٤١٧)
[ ٥٧ ]
قال الحافظ العرافي: وَإِنَّمَا تُترك تحية المسجد لمن دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَوْ دَخَلَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ يَخَافُ فَوْتَهَا، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْفَرْضَ أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهِ الطَّوَافُ وَتَتَأَدَّى التَّحِيَّةُ بِالْفَرْضِ وَرَكْعَتَى الطَّوَافِ، فَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَدْ مَنَعَ النَّاسَ مِنْ الطَّوَافِ لِقُرْبِ الصَّلَاةِ أَوْ خُرُوجِ الْخَطِيبِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ حِينَئِذٍ رَكْعَتَا التَّحِيَّةِ. (١)
سؤال: - من دخل المسجد في وقت النهي، هل يصلي ركعتي تحية المسجد في وقت النهي؟؟
الجواب: الراجح والله أعلم- هو قول الشافعي رواية لأحمد، بجواز ذلك، يدل عليه:
١ - ثبت جواز ركعتي الطواف في كل وقت كما في حديث جبير بن مطعم - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. (٢)
_________________
(١) وانظر طرح التثريب (٢/ ١٢٥)
(٢) أخرجه أحمد (١٦٧٣٦) الترمذى (٨٦٩) والنسائى (١/ ٢٨٤) وصححه الألباني.
[ ٥٨ ]
٢ - عن يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺفَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ» (١) وفي قوله "فإنها له نافلة ": دليل على أنَّ صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس، إذا كان لها سبب. (٢)
٣ - عن أبي هريرةرضي الله عنه - قال: قال نبي الله - ﷺ - لبلال عند صلاة الفجر: " يا بلال، أخبرني بأرجى عمل عملته منفعة في الإسلام، فإني قد سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة "، قال: ما عملت يا رسول الله في الإسلام عملًا أرجى عندي منفعة، من أني لم أتطهر طهورا تاما قط في ساعة من ليل أو نهار، إلا صلَّيت بذلك الطهور لربي، ما كتب لي أنْ أصلي. (٣)
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٧٤٧٤) والترمذى (٢١٩) وأبوداود (٥٧٥) وصححه الألباني.
(٢) ذكره الخطابي فى معالم السنن (١/ ١٦٥) وانظر صحيح فقه السنة (١/ ٢٦٨)
(٣) أخرجه أحمد (٨٤٠٣) والبخاري (١١٤٩) ومسلم (٢٤٥٨)
[ ٥٩ ]
- سُئل شيخ الإسلام - ﵀ - عن تحيَّةِ الْمَسْجِدِ هَلْ تُفْعَلُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْي، أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: قوله ﷺ﴾ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ﴾ فَهَذَا فِيهِ الْأَمْرُ بِرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، وَالنَّهْي عَنْ أَنْ يَجْلِسَ حَتَّى يَرْكَعَهُمَا، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَقْتٍ عُمُومًا مَحْفُوظًا لَمْ يَخُصَّ مِنْهُ صُورَةً بِنَصِّ وَلَا إجْمَاعٍ.
وَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ طَرَفَي النَّهَارِ، وَلَوْ كَانُوا مَنْهِيِّينَ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ لَكَانَ هَذَا مِمَّا يَظْهَرُ نَهْي الرَّسُولِ عَنْهُ، كما أَنَّ النَّهْي عن الصلاة في هذه الأوقات كَانَ لِسَدِّ ذَرِيعَةِ الشِّرْكِ وَذَوَاتِ الْأَسْبَابِ فِيهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَالْفَاعِلُ يَفْعَلُهَا لِأَجْلِ السَّبَبِ لَا يَفْعَلُهَا مُطْلَقًا فَتَمْتَنِعُ فِيهِ الْمُشَابَهَةُ. إذَا كَانَ النَّبِي - ﷺأَمَرَ بِالتَّحِيَّةِ إذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْمَسْجِدَ وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ وَقْتُ نَهْى عَنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَشْغَلُ عَنْ الِاسْتِمَاعِ، فَأَوْقَاتُ النَّهْى الْبَاقِيَةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، والله أعلم. (١)
_________________
(١) وانظر مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٠٠) وصحيح فقه السنة (١/ ٢٦٨)
[ ٦٠ ]