قال تعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة /١٠٨] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- عَنِ النَّبِي -ﷺ- قَالَ: " نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قَالَ: «كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ " (١)
وممَّا يؤيد أنَّ المقصود بالمسجد الذي أُسس على التقوى هو مسجد قباء: قوْلَهُ تَعَالَى ﴿مِنْ أول يَوْم﴾ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءَ؛ لِأَنَّ تَأْسِيسَهُ كَانَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ حَلَّ النَّبِيُّ - ﷺ - فيه. (٢)
يؤيده: ما فى البخاري من حديث هجرة النبي - ﷺ - إلى المدينة، قال عروة بن الزبير: (وأسس رسول الله - ﷺ - المسجد الذي أُسس على التقوى وصلَّى فيه)
قال ابن حجر: فهذه الأخبار تدل على أنه كان معروفا عندهم بأنَّ مسجد قباء هو المسجد الذي أَّسس على التقوى ا. هـ (٣)
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣١٠٠) وأبوداود (٤٤) وصححه الألباني بالشواهد.
(٢) وانظرفتح القدير (٢/ ٥١٢) وتحفة الأحوذي (٢/ ١١٦)
(٣) وانظر فتح الباري (٧/ ٣٤٥) والثمر المستطاب (٢/ ٥٦٨)
[ ١٧ ]
يؤيده: سِيَاق الْآيَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَدْ جَاءَتْ قَبْلَهَا قِصَّةُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ بِقَوْلِهِ: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا " وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَسْجِدَ الضِّرَارِ كَانَ بِمِنْطَقَةِ قُبَاءٍ، وَطَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ - ﷺ - أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فِيهِ تَبَرُّكًا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَتَقْرِيرًا لِوُجُودِهِ يَتَذَرَّعُونَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ.
فإن قيل: قد صح عن أبي سعيد الخدري - ﵁أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال رجل: هو مسجد رسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ-: " هو مسجدي، وَفِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ " (١)
فالجواب: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ - ﵀ -: وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا" ظَاهِرٌ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ. ا. هـ
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١٠٤٦) ومسلم (١٣٩٨) والترمذي (٣٢٣)
[ ١٨ ]
قال شيخ الإسلام: وهذا يتناول مسجده، ومسجد قباء، ومسجده أحق بذلك من مسجد قباء، كما قال لأهل الكساء: علي، وفاطمة، وحسن، وحسين: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» أي: هم أحق بذلك من غيرهم، والحصر يكون حصرًا للكمال كما تقول: عبد الله العالم، فالآية قد نزلت بِسَبَبِ مَسْجِدِ قُبَاءَ، ولكن تَنَاوَلَ اللَّفْظُ لمَسْجِدِ قُبَاءَ وَمسْجِدِهِ - ﷺ - بِطْرِيقِ الْأَوْلَى، وإلا فالقرآن يدلّ على أنَّ مسجد قباء أسس على التقوى، وعلى أنَّ أزواجه من أهل بيته. ا. هـ (١)