قال يونس بن عبد الله: حدثنا بعض أصحابنا، عمن حدثه، عن أبي جعفر أحمد بن يوسف بن إبراهيم البغدادي المعروف بابن الداية، قال: حدثني الحسن بن محمد الإقريطشي، لقيته بعد أن علت سنه، وبلغ المائة سنة، وهو صحيح التمييز، سليم الحواس، قال: ألح غزاتنا بإقريطيش على الروم، ونالوهم بمكروه عظيم، فوجد ملك الروم من هذا، ونذر أن يحارب إقريطش ولو أنفق ذخائر مملكته في حربها، وعمد إلى راهب من أبناء الملوك مجبوب، يتعالم الروم زهادته، فأنزله من متعبده، وضم إليه أكثر جيوشه، فوافى إقريطش في جمع لم يحط بها مثله قط، ففزعنا إلى غلق أبواب الحصن، وشرع القوم في بناء مسكن لهم، وخرجوا من المراكب، وغلبنا على ميرة البلد، وما يكون في جواره، واشتد بنا الحصار، ونزع السعر، وغلى المأكول، وعم الجهد.
ثم زادت المكاره، حتى أكل الناس ما مات من البهائم جوعا واضطرارا، وأجمعوا على أن يفتحوا الباب للروم، فقال لهم شيخ من المسلمين: إني أراكم قد حرمتم التوفيق في قوتكم وضعفكم، فالصواب: أن تقبلوا مني ما أشير به عليكم.
قالوا: قل.
قال: توبوا إلى الله ﷿ من قبيح ما حملكم عليه تظاهر النعم وطول السلامة، والزموا ما يكون رباطا لها وقائدا إلى حسن المزيد منها، وأخلصوا له إخلاص من لا يجد فرجة إلا عنده، وافصلوا صبيانكم من رجالكم، ورجالكم من نسائكم.
[ ١١٨ ]
فلما ميزهم هذا التمييز صاح بهم: عجوا بنا إلى الله.
فعجوا عجة واحدة، وبكى الشيخ واشتد بكاء المسلمين وصراخهم.
ثم قال: عجوا أخرى ولا تشغلوا قلوبكم بغير الله.
فعجوا عجة أعظم من الأولى وكثر بكاؤهم.
ثم عج الثالثة وعج الناس معه.
قال: ثم قال: تشرفوا من الحصن فإني أرجو الله أن يكون قد فرج عنا.
قال ابن الداية: فحلف لي الحسن بن محمد فقال: والله لقد أشرفت مع جماعة، فرأينا الروم قد فوضوا، وركبوا مراكبهم، ولججوا في البحر، وفتحنا الحصن، فوجدنا قوما من بقاياهم، فسألناهم عن خبرهم فقالوا: كان الراهب المجبوب عميد الجيش بأفضل سلامة اليوم، حتى سمع ضجتكم بالمدينة، فوضع يديه على قلبه وصاح: «قلبي، قلبي» .
ثم طفي فانصرف من كان معه من الجيوش إلى بلاد الروم.
قال الحسن: وجدنا في الأبنية من محلتهم من القمح والشعير ما وسع أهل المدينة وعاد إليها معه خصبها، وكفى الله جماعتهم بأس الروم من غير قتال، والحمد لله.