أخبرنا أبو محمد بن عتاب، عن أبيه، قال: أخبرنا يونس بن عبد الله، قال: ثنا أبو عبد الله بن مفرج، قال: ثنا محمد أيوب الرقي، قال: ثنا محمد بن خلف المعروف بوكيع، قال: ثنا أبو سهل الرازي القاضي، قال: ثنا أبو حسان الزيادي قاضي الجهة الشرقية ببغداد، وهو الحسن بن عثمان، وأمه أم عثمان ابنة ابن عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان، وبسبب أمه قيل له: الزيادي، قال: لحقني ما يلحق الرجال من الشدائد، واقتضاني جماعة كنت أعاملهم فيما أحتاج إليه لمنزلي ما لهم علي، وألحت رقاعهم فيه، فشكوت ذلك إلى زوجتي فقالت:
[ ١٢٢ ]
نشدتك الله ألا ما اقتصرت على الله ﵎ ولا ترج أحدا من خلقه.
ففعلت ذلك، وكان لي دهليز واسع ينوب عن مجلس في الدار، كنت أجتمع فيه مع الفقهاء، ونتناظر في دقائق الفقه، فإني لجالس فيه تلك العشية، وهو خال ممن كان يغشاه، إذ دخل إلي رجل من الخراسانية يريد الحج، وكان الوقت قريبا من وقت المسير إلى الحج.
فقال لي: أصلحك الله إن رأيت أن تقبل مني هذه البدرة من الدراهم وديعة إلى رجوعي من الموسم.
قلت: أفعل.
فأخذتها منه مضمونة، فعمدت إليها ففضضت عنها خاتمها وقسمتها في معاملتي، وفي سائر مهماتي حتى استنفدتها وقضيت كل دين كان علي.
فلما أصبحت ركبت وأطلت.
ثم رجعت ووجدت الخراساني على الباب ينظرني، وهو قد بدا له عما عزم عليه من الخروج إلى مكة، فلما رأيته ضاقت بي الأرض وقال لي: احتجت إلى تلك الوديعة.
قلت له: ليس أصل إليها الساعة، فعد إلي غدا نقبضها إن شاء الله.
فانصرف ودخلت إلى زوجتي فأعلمتها بذلك، فقالت لي: ارجع إلى الله ﷿ في أمرك، فليس يملك كشف هذا الكرب عنا غيره.
فرجعت أتضرع إلى الله ﷿ في تلك الليلة، في إسدال ستره، وتعجيل فرجه، وفزعت إليه بهمي وكربي.
ثم ركبت بغلتي في الغلس، وأنا لا أدري أين أتوجه، فعبرت الجسر وأخذت نحو المخرم، وما
[ ١٢٣ ]
في نفسي أحد أقصده واستقبلني رجل راكب، فقال لي: إليك بعثت.
قلت: ومن بعثك؟ قال: دينار بن عبد الله.
فأتيته فدخلت عليه وهو جالس، فسألني عن خبري وشأني فقلت له: ما الذي أوجب إرسالك إلي وسؤالك عن شأني؟ قال: ما نمت هذه الليلة إلا أتاني آت يقول: «أبو حسان الزيادي تعرف خبره واكفه ما همه» .
فحدثه حديثه، فدعا بعشرين ألف درهم، فدفعها إلي، فرجعت فصليت في مسجدي صلاة الصبح، وجاء الخراساني فوفيته بدرته بتمامها وكمالها، وأنفقت باقي المال في حوائجي، وتوسعت.
والحمد لله كشاف الكرب.
١٢٠ - قال يونس: وحدثنا محمد بن أحمد بن خالد، عن أبيه، قال: ثنا علي بن عبد العزيز بمكة، عن أبي عبيد الله القاسم بن سلام، عن سفيان بن عيينة، عن الحريري أن أبا الدرداء نزل الغزو عاما فأعطى رجلا صرة فيها دراهم، فقال له:
[ ١٢٤ ]
إذا رأيت رجلا يسير من القوم حجزه في هيئة كذا فادفعها إليه.
قال: فرأى رجلا في الهيئة التي ذكرها أبو الدرداء، وهو يمشي خارجا من طريق العسكر فدفع إليه الصرة، وأعلمه أن أبا الدرداء بعث بها إليه، فرفع رأسه إلى السماء فقال: لم تنس حديرا فاجعل حديرا لا ينساك.
قال: وكان حدير هذا من الفقراء العباد، المتوكلين على الله ﷿، ﵀.
١٢٢ - أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حدثنا أحمد بن العلاء، عن الأجلح الكندي، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: ضرى بختنصر أسدين، فألقاهما في جب، وجاء بدانيال فألقاه معهما فلم يهيجا، فمكث دانيال في ذلك الجب ما شاء الله، ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب، فأوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له إرميا، وهو بالشام، وكان قد صنع طعام لحصادين له، فناداه ملك من عند ربه فقال له: اذهب بهذا الطعام إلى دانيال فإنه في جب الأسد ببابل بأرض العراق ونحن نحملك.
فوضع الملك يده على رأسه، فاحتمله بشعر رأسه، والطعام معه، فوضعه ببابل على حبل جب الأسد، فوقف على رأس الجب ونادى:
[ ١٢٥ ]
دانيال، دانيال! .
فقال له دانيال: من هذا؟ قال: قم، تناول هذا الطعام الذي أرسل به إليك ربك.
فقال دانيال: وقد ذكرني ربي ولم يعرني من رحمته! .
قال: نعم.
فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي هو ثقتنا عند سوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، والحمد لله الذي من توكل عليه كفاه، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا.
ثم أكل الطعام وحمل الملك إرميا فأقامه في المكان الذي أتى منه.
اللهم لا تنسنا من رحمتك في الدنيا والآخرة؛ يا أرحم الراحمين إنك على ما تشاء قدير.
[ ١٢٦ ]
١٢٣ - ذكر ابن أبي الدنيا، قال: حدثني هارون بن سفيان، قال: ثنا رجل من أهل العلم أن رجلا حدثه، قال: نزل عليه رجل من ولد أنس بن مالك، فحدثه، فلما أراد أن يفارقني أمر لي بشيء فلم أقبله، فقال: ألا أعلمك دعاء كان جدي يدعو به، وما دعوت الله به إلا فرج الله عني؟ قلت: بلى.
قال: قل: «اللهم إن ذنوبي لم تبق لي إلا رجاء عفوك، وقد قدمت آلة الحرمان بين يدي عفوك أسألك ما لا أستحقه، وأدعوك بما لا أستوجبه، وأتضرع إليك بما لا أستأهله، ولم يخف عليك حالي، وإن خفي على الناس كنه معرفة أمري، اللهم إن كان رزقي في السماء فاهبطه، وإن كان في الأرض فأظهره، وإن كان بعيدا فقربه، وإن كان قريبا فيسره، وإن كان قليلا فكثره وبارك لي فيه» .
١٢٤ - قال ابن أبي الدنيا: وحدثني هارون بن سفيان، قال: حدثني عبد الله بن محمد القرشي، عن نعيم بن مورع، عن جويبر، عن الضحاك، قال:
[ ١٢٧ ]
دعا موسى ﷺ حين توجه إلى فرعون، ودعا رسول الله ﷺ يوم خيبر، ودعا كل مكروب كنت وتكون: «أنت حي لا تموت، تنام العيون وتنكدر النجوم، وأنت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي، يا قيوم» .
١٢٥ - قال ابن أبي الدنيا: وحدثني عباد بن موسى، قال ثنا كثير بن هشام، عن الحكم بن هشام الثقفي، قال: أخبرت أن رجلا أخذ أسيرا، فألقي في جب، ووضع على رأس الجب صخرة، فلقن فيها: «سبحان الملك القدوس، سبحان الله وبحمده» .
فأخرج من غير أن يكون أخرجه إنسان.
١٢٦ - قال: وحدثت عن إسماعيل بن يعقوب، قال: ثنا الفريابي، قال: لما أخذ أبو جعفر إسماعيل بن أمية، أمر به إلى السجن، فمر على حائط مكتوب عليه: «يا ولي في نعمتي، ويا صاحبي في وحدتي، وعدتي في كربتي» .
فلم يزل يدعو بها حتى خلى سبيله فمر على ذلك المكان فنظر فلم ير شيئا مكتوبا.