ذكر مؤلف كتاب العروس، قال: حدثنا محمد بن الفرج مولى بني هاشم، قال: ثنا صالح بن عبد الله البصري، عن عبد الله بن المبارك، قال: خرجت في بعض السنين إلى بيت الله الحرام، فأتيت مكة وقد قحط الناس قحطا شديدا وقد خرجوا يستسقون، وخرجت معهم، وكنا مما يلي بني شيبة، فتضرع الناس بالدعاء، إذ حانت مني التفاتة، فإذا أنا بأسود عليه خلقان، مؤتزر بأحدهما، مرتد بالأخرى، وهو يقول: «إلهي وسيدي أخلقت الوجوه عندك، كثرت الذنوب ومساوي الأعمال، فمنعتنا قطر السماء تؤدب الخليقة بذلك، فأقسمت عليك بحقي، إلا أسقينا الغيث الساعة الساعة» .
فما استتم كلامه حتى غشينا السحاب، وأخذنا المطر، من كل جانب، وجلس يدعو
[ ١٦١ ]
وجلست أبكي نحوه حتى انصرف فأتبعته، وعرفت الموضع الذي دخل عليه، فعلمت الباب وأتيت إلى منزل فضيل بن عياض فلما رآني قال لي: يا أبا عبد الرحمن، ما لي أراك مهموما؟ قلت: سبقنا إليه غيرنا فتولاه دوننا.
فقال: ومه.
فأخبرته بإجابة دعوة الأسود فقال: تمر بنا إليه.
قلت: الوقت قد ضاق وسأبحث عنه إن شاء الله تعالى.
قال عبد الله: فما أخذني الرقاد طول ليلتي، حتى أصبحت وأتيت إلى الموضع الذي دخل إليه، فإذا أنا برجل ذي هامة قد بسط له، فلما رآني تطاول فرحا وقال: حاجة لأبي عبد الرحمن قبلنا؟ قلت: نعم، أردت شراء غلام أسود.
قال: عندي عشرة اختر أيهم شئت.
ثم صاح: يا غلام! .
[ ١٦٢ ]
فإذا أنا بأسود بدين جسيم فجعل يصفه لي وقال: هو محمود العاقبة.
فقلت: ليس هو من حاجتي.
فلم يزل يعرض علي حتى عرض علي عشرة، فقال: ليس فيهم أحد من حاجتك؟ قلت: لا قال: فما عندي إلا أسود ضعيف لا يصلح للخدمة.
فقلت: اعرضه علي.
فصاح به، فإذا أنا بصاحبي قد أقبل، فلما أن بصرت به، بدرتني عيناي بالدموع، فحبست دمعي فقال لي: هذا أردت؟ قلت: نعم.
قال: ليس إلى بيعه سبيل.
[ ١٦٣ ]
قلت: ولم؟ قال: لأني أتبرك به وذلك أنه لا ير زاني شيئا.
قلت: فمن أين يأكل؟ قال: يفتل الشريط فيبيع كل يوم بنصف دانق، فإذا هو باع أفطر، وإلا بات طاويا، وقد أخبرني الغلمان بأنه يحيي هذا الليل.
وقد أحبه قلبي.
قلت: أقوم.
قال: أين؟ قلت: أتيتك بفضيل وسفيان يكلمونك فيه.
قال: إن كان هذا دأبك قضيت حاجتك، وكان ممشاك عندي كبيرا.
فابتعته منه وانطلقت به حتى إذا صرت أنا وهو في بعض الطريق، قال لي: يا مولاي! .
قلت: لبيك.
قال:
[ ١٦٤ ]
لا تقل هكذا فإن العبد أحق وأولى بالتلبية من المولى.
فقلت: دع عنك هذا واقصد لما تريد.
قال: لم اشتريتني وأنا ضعيف لا أطيق الخدمة وقد أخرجوا إليك من هو أجلد مني؟ قلت له: حبيبي لا يراني الله ﷿ وأنا أستخدمك بل أشتري لك منزلا وأكون لك خادما.
قال: هيهات أن تفعل أنت ذلك، إلا وقد أطلعت على بعض متصلاتي به.
قلت: ذر عنك هذا.
قال: أقسمت عليك إلا أخبرتني.
فأخبرته بإجابة دعوته.
قال: ينبغي أن تكون صالحا، إن الله ﷿، خيرة من خلقه لا يكشف أمرهم ولا شأنهم، إلا لمن ارتضى.
ثم قال: ترى أن تقف علي قليلا؟ قلت: حبيبي ولم؟ قال: ركيعات بقيت علي من الليل.
قلت:
[ ١٦٥ ]
تصير إلى منزل الفضيل فتركع فيه ما بد لك.
قال: لا حاجة لي في منزل الفضيل.
وعدل إلى شبيه مصلى، وكان للباعة، فما زال راكعا وساجدا حتى قضى ما أراد، ثم التفت إلي فقال: حاجة.
فقلت: حبيبي ولم تقول هكذا؟ قال: لأني أريد أمضي.
قلت: حبيبي، إلى أين؟ قال: إلى الآخرة.
قلت: حبيبي، إن أمر الآخرة ليس إليك ولا إلي.
قال: ذر عنك ذلك، فإنما طابت الحياة ما دامت المعاملة فيما بيني وبينه، فإذا علمت أنت فسيعلم غيرك ولا حاجة لي.
وخر ساجدا فما زال يقول: «الساعة، الساعة» حتى هدأ، فحركته فإذا هو قد مات،
[ ١٦٦ ]
﵀.
فاشتد لذلك غمي، فوالله ما ذكرته إلا صغرت الدنيا في عيني.
١٥٤ - قال أبو جعفر الطحاوي في كتاب الأخبار له: أخبرنا أحمد بن خالد بن زيد، قال: ثنا إسحاق الطالقاني، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، قال: خرج سليمان صلوات الله عليه يستسقي بالناس، فإذا هو بنملة قائمة على رجلها رافعة يديها تقول: «اللهم أنا خلق من خلقك، لا غنى بنا عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب بني آدم» .
فقال سليمان ﵇ لأصحابه: «ارجعوا فقد سقيتم بغيركم» .
فقال سفيان، عن الأعمش، عن الحكم، قال: كان النمل في زمان سليمان ﵇ أمثال الذئاب.
كمل الجزء الرابع، خاتمة كتاب أدعية المستغيثين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه المباركين، وسلم تسليما كبيرا، وذلك في العشر الأول من شهر ذي القعدة سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة.
نسخه لنفسه العبد الفقير إلى رحمة ربه محمد بن أسقتمر بن عبد الله الجمداز غفر الله له ولوالديه ولمن نظر فيه ولجميع المسلمين.
آمين.
[ ١٦٧ ]