قال يونس بن عبد الله: وكان من دعاء الحسن حين طلبه الحجاج، فستره الله عنه ونجاه منه: «يا صاحبي عند كل شدة، ويا نجي عند كل كربة، ويا ولي عند كل نعمة، ويا حاضري عند كل غربة، ويا مؤنسي عند كل وحشة، ويا رازقي عند كل حاجة، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، صلي الله عليهم وعلى محمد، وسلم تسليما، واجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، يا أرحم الراحمين» .
[ ٤٥ ]
٤٠ - أخبرنا أبو محمد بن عتاب: أنا حاتم بن محمد: أنا أبو عمر المقرئ، قال: ثنا ابن مفرج، قال: ثنا أبو أحمد الهروي، قال: ثنا إبراهيم بن عبد العزيز الرفاء، قال: حدثني أبي، قال: حدثني قاسم الجرمي، عن سفيان الثوري، عن الأوزاعي، قال: رأيت رجلا في الطواف وهو متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: «يا رب إني فقير كما ترى، وصبيتي قد عروا كما ترى، وناقتي قد عجفت كما ترى، فما ترى فيها ترى، يا من يرى ولا يرى» .
فإذا بصوت من خلفه: يا عاصم، يا عاصم الحق عمك فقد هلك بالطائف، وقد خلف ألف نعجة، وثلاثمائة ناقة، وأربعمائة دينار، وأربعة أعبد، وثلاثة أسياف يمانية، وامض فخذها فليس له وارث غيرك.
قال الأوزاعي: قلت له: يا عاصم إن الذي دعوته لقد كان قريبا منك.
قال: يا هذا، أما سمعت قوله:] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة: ١٨٦] .
٤١ - أخبرنا غير واحد، عن أبي العباس العدوي، قال: أنا علي بن جهضم، قال: ثنا أبو حفص عمر النجار البغدادي في جامع طرطوس، قال: دخل أبو الحسين محمد بن محمد الثوري إلى الماء ليغتسل، ووضع ثيابه على الشط، فجاء
[ ٤٦ ]
لص فأخذ ثيابه، فخرج الثوري من الماء ولم يجد ثيابه، فرجع إلى الماء وجلس في وسط الماء، فما كان إلا الساعة حتى جاء اللص ومعه ثيابه، فوضعها في مكانها وقد جفت يده اليمنى، فخرج الثوري من الماء ولبس ثيابه وقال: اللهم قد رد علي ثيابي فرد عليه يده.
فرد الله عليه يده بفضله وكرمه.
٤٢ - قرأت بخط عبد الرحمن بن يوسف الرفاء: حدثني أبو الوليد صاحبنا هو ابن الفرضي، قال لي: ذاكرت الشيخ الصالح أبا نزار الخطاب بن مفرج البوني، الذي يكون بأطرابلس، وكان قد ارتفع معنا إلى مكة من مصر، مع أبي عبد الله محمد بن محمد بن حمدون الخولاني العابد المصري براهين الصالحين، وما أعطوه من الكرامات، وخصوا به من ظهور الآيات، فقال لي: هذه أمور صحاح لا يشك فيها إلا أهل الزيغ، وما لقيت أحدا ممن أدركت من الصالحين والعباد في المشرق والمغرب ينكرها، ولا يطعن على شيء منها، ولا يبطل شيئا من هذه المعجزات التي تظهر للصالحين.
وكان يقول لي وأنا ماش معه في الحجاز: إنا والله أعلم من كان يدخل هذا الحجاز على الوحدة بلا زاد ولا ماء غير مرة، وقال لي أبو عبد الله صاحبنا، يعني: ابن حمدون العابد المصري، يخرج من بيته بالليل فتنفتح له الدروب، حتى يأتي الصحراء ويطوف في المقابر في الليلة المظلمة فيقول:
[ ٤٧ ]
هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان.
وإنه لفي المقابر ليلة من الليالي وهو يقرأ، إذ سمع صوتا من بعض الجدران: زد أبا عبد الله، زد أبا عبد الله.
فاتبع الصوت حتى وضع جبينه على الجدار فوقعت عليه غشية، ثم استفاق منها، ثم عاد يقرأ، ثم نودي به مرة أخرى كنحو ما نودي به أول مرة.
قال لي أبو الوليد: فجعلت أتعجب مما أورده علي، فقال لي: وكم لأبي عبد الله بن حمدون من هذه العجائب! .
ثم حدثني، قال: كان أبو عبد الله قد ورث من أبيه دنانير كثيرة، فأودعها ناحية من بيته تحت الأرض، ثم خرج على قدميه ماشيا إلى مكة، فسأل الله في بعض خلواته وهو متعلق بأستار الكعبة في الليل أو كما قال أن يجعل قوته يوما بيوم، ثم انصرف بعد حجه إلى مصر، فكان يجمع الشوك ويحمله على ظهره، فيصيب من ذلك القوت وربما عمل الخوص فلا يكاد أن يقدر على أكثر من قوت يوم بيوم.
قال: وخلق ما كان عليه من الثياب، فلم يجد ما يجددها به وطلب تلك الدنانير التي كان خبأ في الأرض، ليتوسع في شيء منها وليؤدي زكاته إن كانت وجبت عليه فيها أو كما قال، فكأن الأرض بلعتها فلم يقدر عليها، ولحقها جهد عظيم وقملت ثيابه الخلقة التي كانت عليه وضعفت حاله، فخرج إلى مكة حتى أتاها فتعلق بأستار الكعبة وقال: اللهم إني دعوتك في أمر لم أستخرك فيه وكان نظرك لي أفضل من نظري لنفسي، وقد قل صبري على ما سألتك من التضييق علي في تقويتي يوما بيوم، وهأنذا أستقيلك يا سيدي واسألك التوسعة علي في رزقي.
[ ٤٨ ]
قال: فمات في تلك الأيام رجل من الفرس تاجر طيب المال، فأوصى: أن يعطى ابن حمدون العابد المصري من ماله ألف دينار، أو عددا نحو هذا فصار إليه المال فتوسع فيه لنفسه ولجماعة من الفقراء حملهم إلى مصر.
ثم قدم من مصر فتعرض ما كان أودعه الأرض من الدنانير، فإذا بها على حسب ما وضعها، فأبضع ذلك المال أو بعضه مع جماعة من إخوانه وتجر له فيه واتسعت به الحال، وها هو ذا تراه وكان قد حمل مع نفسه من مصر إلى مكة جماعة من الفقراء في المحامل مرفهين وكان في عدادهم الشيخ أبو نزار.
وقال لي أبو نزار: إذا وصلنا إلى مكة إن شاء الله، سألت أبا عبد الله عما أخبرتك به، فيكون لك سماعا منه.
وكان أبو عبد الله بن حمدون ينبسط إلي ويحادثني في أطراف النهار في حين النزول، ويذاكرني الحديث والمحدثين، وقد كتب لي بمكة إلى أبي يعقوب بن الدخيل، فلما قدمنا مكة نزل أبو عبد الله في دار ابن الأصبهاني، ونزل أبو نزار في المسجد الحرام، لم يكن يبيت إلا في المسجد، ولا كان يزول عنه.
فقال لي أبو نزار: هل لك في المسير إلى الشيخ أبي عبد الله، لتراه وليحدثك بما حدثتك به عنه؟ فسرت معه حتى دخلنا على أبي عبد الله، فسألناه عن الحال.
ثم قال له أبو نزار: صاحبنا هذا يعني: له منك محل وذمام.
وحدثته بخبرك وخروجك إلى الصحراء بالليل، وذكرت له النداء الذي سمعت.
وأورد عليه معاني الحكايات التي حكاها لي عنه، فرأيت كأنه كره ذلك وعز عليه.
ثم تبسم إلينا وقال:
[ ٤٩ ]
أحدثه بما هو أملح من هذا، وما قد حدثت بها جماعة من أصحاب الحديث وكتب عني: رأيت فيما يرى النائم سنة أربع وستين وثلاثمائة، كأني صعدت إلى علية فوجدت فيها أبا عبد الله بن الشيخ أبي بكر النابلسي ﵀، فقلت له: «إني أحب الوصول إلى الشيخ والاجتماع به» .
فكان يقول لي: «هو ذا خارج إليك» .
قال: فكنت ألتفت فأرى الشيخ أبا بكر خارجا من باب العلية، وهو يخطر بمكة فأسأله عن المحنة الدائرة عليه مع سعد، فقلت: «ما فعل الله بك؟» .
فتبسم إلي وأنشأ يقول:
حباني مالكي بدوام عز وواعدني بقرب الانتصار
وقربني وقال لي فانظر وطب نفسا بعز في جواري
وكان أبو عبد الله بن حمدون من أحسن الناس صوتا بالقرآن.
قال لي أبو الوليد: حدثني أبو عبد الله الحسين الإبريسمي أن ابن الخياط، وأبا بكر النعالي كثيرا ما كانا يأتيانه فيسألانه أن يقرأ لهما، وربما أتى الرجل من بغداد إلى الفسطاط لا حاجة له فيه إلا سماع أبي عبد الله بن حمدون.
وكثيرا ما كان يقرب محمله من محملي في الحجاز، فكان يقرأ في الليل فيبكي الناس وينزلون من محاملهم حوالي محمله الرجال والنساء، فإذا أحسن بذلك سكت.
[ ٥٠ ]