أخبرنا أبو محمد بن عتاب، عن أبيه، عن القنازعي، عن ابن رشيق، قال: ثنا عبد
[ ٦٦ ]
الرحمن بن أحمد المهري، قال: سمعت أبا عبيد الله بن أخي بن وهب يقول: لما وضع الشافعي كتاب الرد على مالك بن أنس، اشتد على أهل مصر، واجتمعوا إلى السلطان وقالوا: أخرج عنا هذا الرجل الشافعي.
فأجابهم السلطان إلى ذلك، فبلغ ذلك الشافعي، فجمع الهاشميين والقرشيين، ومضى بهم إلى السلطان فكلموه في أمر الشافعي فأبى عليهم وقال: إن أهل البلد قد كرهوك وأخاف أن تفتن البلد علي، وقد أجلتك ثلاثة أيام، على أن تخرج من البلد.
فلما كان اليوم الثالث مات الوالي فجأة وكفى الله الشافعي أمره وأقام.
٦٣ - أخبرنا أبو محمد بن عتاب، عن أبيه: ثنا يونس بن عبد الله، قال: ثنا أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضراب، إجازة كتب بها من مصر، قال: ثنا محمد بن أحمد الذهلي، قال: ثنا موسى بن هارون، قال: سمعت مصعبا يحدث: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: أصبحنا ذات يوم، فقالت أمي لأبي: والله ما في بيتك شيء يأكله ذو كبد.
فقام فتوضأ ولبس ثيابه، ثم صلى في بيته، فالتفت إلى أمي فقالت: إن أباك ليس يزيد على ما ترى فاخرج.
فلبست ثيابي وخرجت، فخطر ببالي صديق لنا تمار، فجئت أريد حانوته، فلما قربت منه صاح بي إنسان، فإذا هو ذلك التمار فقال لي:
[ ٦٧ ]
أعني على هذا التمر أفرقه.
فجعلنا نحمل ونفرق.
ثم قال لي: اذهب بنا إلى المنزل.
فلما دخل إذا مائدة عليها أقراص ولحم، فأكل وأكلت معه، حتى إذا فرغ ومسح يده، أخرج إلي صرة، فيها ثلاثون دينارا، من غير أن أذكر شيئا من حالنا إلا ابتداء منه.
فقال: اقرأ على أبيك السلام وقل له: إنا جعلنا له شركا في كل شيء من تجرنا، وهذا نصيبه منه.
ثم طرح إلي صرة مثلها.
فقال: واذهب بهذه إلى أبي حازم.
ثم أخرج أخرى مثلها فقال: اذهب بها إلى محمد بن المنكدر.
فخرجت، فوجدت أبي في مصلاه على حاله التي تركته عليها.
فسلمت وانتقل من صلاته وأعلمته الخبر.
فقال لي: أخرج من هذه الصرة عشرة دنانير، فاذهب بها إلى أبي حازم، وعشرة فاذهب بها إلى محمد بن المنكدر.
فقلت: قد أتاه مثل ما أتاك.
فقال: ادفعها إلى أمك.
ففعلت وذهبت إلى أبي حازم فأخرج من الصرة التي حملت إليه عشرة دنانير فقال: اذهب بها إلى أبيك وعشرة فقال: - اذهب بها إلى ابن المنكدر.
[ ٦٨ ]
فقلت: قد أتاهما مثل ما أتاك.
ثم ذهبت إلى ابن المنكدر فقال: خذ منها عشرة دنانير لأبيك، وعشرة فاذهب بها إلى أبي حازم.
فقلت له: قد أتاهما مثل ما أتاك.
فكان كل واحد منهم قد سمع مقال صاحبه، وامتثل فعله ورحمهم الله أجمعين، ورحمنا وجميع المسلمين.
٦٤ - ذكر يونس بن عبد الله، في كتاب التسلي له: قال محمد بن نصر، حدثني شقيق البلخي، قال: كنت في بيتي قاعدا فقالت لي أهلي: يا أبا علي، قد ترى ما بهؤلاء الأطفال من الجزع ولا يحل لك أن تحمل عليهم ما لا طاقة لهم به.
قال شقيق: فأسبغت الوضوء، وكان لي صديق لا يزال يقسم علي بالله: إن تكن لي حاجة أن أعلمه بها ولا أكتمها عنه، فخطر ذكره ببالي.
فلما خرجت من المنزل مررت بالمسجد، فذكرت الحديث الذي روي عن أبي جعفر محمد بن علي: «من عرضت له حاجة إلى مخلوق، فليبدأ فيها بالله ﷿» .
فدخلت المسجد فصليت ركعتين.
فلما قعدت في التشهد أفرغ علي النوم.
فرأيت في منامي أنه قيل لي: «يا شقيق تدل العباد على الله ثم تنساه» .
[ ٦٩ ]
فاستيقظت فعلمت أن ذلك تنبيه نبهني ربي به.
فلم أخرج من المسجد حتى صليت العشاء الآخرة.
ثم انصرفت، فوجدت الذي أردت أن أقصده في الحاجة، قد حركه المولى الكريم، عالم الخافيات، كاشف الكربات، وأجرى لأهلي على يديه ما أغناهم وكفاهم.
والحمد لله كثيرا كما هو أهله.