قال يونس: حدثني من أثق به من أصحابي أن أحمد بن مطرف صاحب الصلاة بقرطبة، أخبره: أن أحمد بن خالد، حدثه أن محمد بن وضاح، أخبره أنه بقي يوما وليس عنده شيء يتقوت به أو يطعمه عياله.
قال: فخرجت إلى أهلي فقالت: ليس عندنا شيء يؤكل، ولزومك هذا البيت لا فائدة منه، فاخرج فاطلب لنا شيئا نتعيش به ولنفسك.
قال: فخرجت وقد ضاقت بي الدنيا، فقلت: «من أقصد؟» .
فأجمع رأيي على أن أقصد الله ﷿ وحده لا أحدا من الناس.
فنهضت إلى المسجد الجامع، فكنت فيه إلى أن صليت العصر.
ثم خرجت من المسجد، فلما صرت إلى باب القنطرة لقيت غلام رجل من ساكني قرية شقندة بعدوة النهر، وكان ذلك الرجل لي صديقا، ومع الغلام دابة موقرة بحمل دقيق، وفي يد الغلام جرة مملوءة زيتا، فقال لي: إليك أقصد، أبو الخيار يقرأ عليك السلام يعني ذلك الرجل وبعث إليك بهذا الدقيق والزيت.
[ ٧٠ ]
قال ابن وضاح: ولم يكن جرت له عادة بمثل هذا، ولكن الله بفضله ورحمته حركه لذلك في وقت ضرورتي إليه.
قال: فحمدت الله ﷿، ورجعت من ذلك الموضع الذي لقيني الغلام فيه، ناهضا إلى داري، وسر أهلي بما وردهم من ذلك، والحمد لله كثيرا، لا إله إلا هو.
وقد روينا هذه القصة أيضا على نسق واحد.
٦٦ - أخبرنا أبو محمد بن عتاب: ثنا حاتم بن محمد: أنا ابن عفيف، أنا ابن رفاعة، قال: أنا أحمد بن عبد البر، قال: ثنا أحمد بن خالد أنه أخبره، عن ابن وضاح أنه بقي يوما فخرجت إليه زوجته فقالت: ليس عندنا سفة من دقيق، ولزومك هذا البيت لا فائدة فيه، فاخرج فاطلب علينا.
قال: فخرجت وقد ضاقت بي الدنيا.
فقلت: «من أقصد وإلى من نسير؟ نقصد الله ﷿ ونرغب إليه» .
قال: فقصدت الجامع، فكنت فيه إلى أن صليت العصر.
قال: فلما خرجت قلت: «في الوقت فسحة فإن قصدت الدار عكرت علي»؛ فقصدت المرضى وزرت قوما من إخواننا.
ثم أتيت مع الليل إلى داري، وأنا لا أشك أني أدخل إلى شر من فيها وهراشها.
قال: فلما أن دخلت، بعد أن صليت المغرب في مسجدي، تلقتني زوجتي ببشر وتبسم فاستربت من ذلك، وقالت:
[ ٧١ ]
لقد جاءنا اليوم حمل الدقيق الذي بعثت به في وقت قد كنا بقينا من الجوع.
فلما سمعت قولها أظهرت أن عندي معرفة من ذلك.
وكان بعث حمل الدقيق رجل من إخوانه، ألقى الله ﷿ في قلبه في ذلك اليوم الذي وقف فيه هذا الموقف، والله لطيف بعباده يرزق من يشاء، وهو الحكيم الخبير.
٦٧ - قال يونس: وحدثت عن أحمد بن مطرف، قال: أنا بعض شيوخنا من أهل العلم، أنه كان عند محمد بن وضاح ﵀، فدخل عليه رجل فقال: خطرت الآن عجلة، فأصابت الصبي ابنك ومشت عليه.
فلم يكترث لذلك، وجعل يقبل على ما كان فيه، من إمساك كتابه، وأمر القارئ أن يتمادى في قراءته، فلم يلبث أن دخل عليه رجل آخر فقال: أبشر يا أبا عبد الله، سلم الصبي والحمد لله، إنما أصابت العجلة ثوبه فسقط، وجاوزته ولم تؤذه بها.
فقال: الحمد لله، قد أيقنت بذلك، لأني قد رأيت اليوم الصبي قد ناول مسكينا كسرة، فعلمت أنه لا يصيبه بلاء هذا النهار، للحديث الذي أتى «أن الله ليدفع عن العبد ميتة السوء بالصدقة يتصدق بها» .
[ ٧٢ ]