للدكتور ملك غلام مرتضى رئيس قسم الترجمة بالجامعة
حقيقة السكر:
قال الله سبحانه: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾
قال الفخر الرازي في تفسيره: (التفسير الكبير ٦ / ٤٦)
الإثم الكبير فيه أمور:
أحدها: أن عقل الإنسان أشرف صفاته، والخمر عدو العقل، وكل ما كان عدو الشرف فهو أخس، فيلزم أن يكون شرب الخمر أخسَّ الأمور.
وتقريره: أن العقل إنما سمي عقلًا لأنه يجري مجرى عقال الناقة، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح، كان عقله مانعًا له من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقى الطبع الداعي إلى فعل القبائح خاليًا من العقل المانع لها، والتقريب بعد ذلك معلوم.
[ ١٠٥ ]
ذكر ابن أبي الدنيا: أنه مر على سكران وهو يبول في كفيه ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ، ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نورًا والماء طهورًا.
ثانيها: ما ذكره الله تعالى من إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
ثالثها: إن هذه المعصية من خواصها: أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر ومواظبته عليها أتم: كان الميل إليها أكثر، وقوة النفس عليها أقوى بخلاف سائر المعاصي، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغبته في ذلك العمل، وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ونفوره أتم، بخلاف الشرب، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر كان نشاطه أكثر ورغبته فيه أتم، فإذا واظب الإنسان عليه صار غرقًا في اللذات البدنية.. حتى يصير من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
وبالجملة: فالخمر يزيل العقل، وإذا ذهب العقل، انتشرت المفاسد وسادت الرذائل - قال ﵊: " الخمر أم الخبائث ".
وهذا يعني أن جريمة السكر تغري بجميع الجرائم التي تعرض للسكران، وتجرئ عليها ولاسيما الزنا والقتل - ولهذا اعتبرها النبي ﷺ أنها " مفتاح لكل شر ".
وقد قيل أن امرأة فاسقة راودت رجلا صالحا عن نفسه، فاستعصم، فسقتهُ الخمر فزنى بها، وأمرته بالقتل فقتل.
قال ﵊: " الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، ومن شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته ".
[ ١٠٦ ]
هذا لأنه توجد في جبلة الإنسان خاصيتان وهما:
١ - المَلَكية يعني صفات الملائكة - وهي امتثال أوامر الله ومقتضيات العقل _.
٢ - البهيمية يعني صفات البهائم - وهي امتثال أوامر النفس الأمارة بالسوء ولو كانت مخالفة للعقل.
فتأثير الخمر على شخصية الإنسان أن تخامر العقل، وتضعف ملكيته، وتثير بهيميته وتقويها، فالنتيجة أن الإنسان يمسي تابعًا مطلقًا للبهيمية ويسقط من درجة الإنسان إلى درجة البهيمية ويعتبر خاضعًا لسلطان الهوى والشيطان.
كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ﴾ .
[ ١٠٧ ]