عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قال عبد قط إذا أصابه همٌّ أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك = أن تجعلَ القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي؛ إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحًا»، قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات؟ قال: «أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» (^١).
فتأمل قوله: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي»، فإنَّ «هذا هو المطلوب، والسابق وسائل إليه، فانظر أولًا غاية ذلته وصغاره، ونهاية افتقاره وعجزه، وثانيًا بين عظمة شأنه وجلالة اسمه ﷾ بحيث لم يبق فيه بقية، وألطف في المطلوب حيث جعل المطلوب وسيلة إزالة الهم المطلوب أولًا.
فقوله: «ربيع قلبي» جعل القرآن ربيعًا له؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان، ويميل إليه.
_________________
(١) رواه أحمد: (٦/ ٢٤٦)، ح: (٣٧١٢).
[ ٩٧ ]
أقول: كما أنَّ الربيع زمان إظهار آثار رحمة الله تعالي، وإحياء الأرض بعد موتها، كذلك القرآن يظهر منه تباشير لطف الله من الإيمان والمعارف، وتزول به ظلمات الكفر والجهالة والهموم» (^١).
القرآن راحة لقلبك، وسكون لنفسك في زمان القلق، السكينة المفقودة!
إنَّ القرآن العظيم له كبير الأثر في تحصيل هذه السكينة، وتلك السكينة «إذا نزلت على القلب اطمأن بها، وسكنت إليها الجوارح، وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش، واللغو والهجر، وكل باطل» (^٢).
وعن البراء، قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين (^٣)، فتغشَّته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «تلك السكينة تنزلت للقرآن» (^٤).
فالسكينة .. السكينة يا أهل القرآن
إنَّ المرء ليشتاق إلى قارئ هادئ القراءة إذا سمعته حسبت أنَّه يخشى الله!
إنَّ الصوت المرتفع قد يجلب مزيدًا من البكاء، لكنه يبعد كثيرًا من السكينة! ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]!
إنَّ رفع الصوت بصورة مزعجة في القراءة، ليست من سنن الهدي، «قال قيس بن عباد: -وهو من كبار التابعين -: (كانوا يستحبون خفض الصوت: عند الذكر، وعند القتال، وعند الجنائز).
_________________
(١) انظر: شرح المشكاة: (٦/ ١٩١٠).
(٢) مدارج السالكين: (٢/ ٤٧٣).
(٣) أي: مربوط بحبلين، والشطن: الحبل الذي تربط به الدابة، ويستقى به الماء.
(٤) رواه البخاري: (٥٠١١)، ومسلم: (٧٩٥).
[ ٩٨ ]
وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة، في هذه المواطن، مع امتلاء القلوب بذكر الله، وإجلاله وإكرامه، كما أن حالهم في الصلاة كذلك.
وكان رفع الصوت في هذه المواطن الثلاثة من عادة أهل الكتاب والأعاجم، ثم قد ابتلى بها كثير من هذه الأمة» (^١).
بل: ألم يأتك خبر مجالس النور؟!، ففي الحديث: «… وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكِينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده …» (^٢).
«كلمات ما أحوجنا إليها!
أجزيةٌ غالية وهِبات سنية، لوَاحدة تكفى لأن يصرف الإنسان جهده كله من أجل تحصيلها.
السكينة = نحن في عالم القلق قلوبنا مرتعبة نخاف من المستقبل، نخاف من أنفسنا، نخاف من غيرنا، نخاف من أعدائنا ..
حتى يكاد الإنسان أن يقول قد أحيط بنا، نحتاج إلى سكينة تدرأ هذا القلق، والله مالكها وهذا شرطها = الاجتماع عليه بشرطه.
التتلمذ على آياته وبيناته، فتح الباب إليه، الأخذ من ينابيع ومتفجرِ الحكمة والبصائر القرآنية.
ما أحوجنا إلى رحمة تحفنا (وهذه موعودة) = تدفع ألوان الشقوة التي امتدت أسبابها للكل.
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم: (٣٥٨).
(٢) رواه مسلم: (٢٦٩٩).
[ ٩٩ ]
ما أحوجنا إلى صحبة الملأ الأعلى الحديث يقول: .. وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ .. صدقوا الغيب لترتقوا!!.
ما أحوجنا إلى أن يحفنا هؤلاء الملأ الأعلون ففي حفوفهم بنا وحياطتهم إيانا = صيانة من ظلمة الشر، ووقاية من أن تمتد إلينا نزغات الشيطان وظلمات النفس.
ما أحوجنا إلى الرابعة وهي هي سموًا وارتقاءً .. وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ .. وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ..
أكبر من كل هذه الهبات.
لأن الله إذا ذكرك وضع حدًا لشقوتك وبعدك وجفاءك وحدًا لتعاستك وأدرجك ضمن أهله الذين هم أهله وخاصته، اللهم امنحنا من هذه الهبات» (^١).
_________________
(١) من كلام للشيخ الفاضل مصطفى البحياوي.
[ ١٠٠ ]
«إني أعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذ بقراءته»؟!
ابن جرير الطبري
[معجم الأدباء: (٦/ ٢٤٥٣)]
[ ١٠١ ]