فهم المصطلحات التي يتداولها الناس من الأمور المستحسنة، والتفريق بينها، وبيان حدودها = معين على عدم الوقوع في الخطأ.
ومن هذا المنطلق سأحاول أن أعرض للفرق بين ثلاثة مصطلحات يقع بسبب الخلط بينها تجرؤ على كتاب الله، ونوع من القول على الله بلا علم، وهي: (التفسير - التدبر - التأثر).
فأقول:
* التفسير، هو: «بيان معاني القرآن العظيم» (^١).
وهذا البيان إما أن يصل إليه المفسر اجتهادًا، وإما أن يصل إليه تقليدًا.
والاجتهاد على قسمين:
١ - الاجتهاد في بيان المعنى المراد من الآية، وأئمة المجتهدين هم الحجة (^٢) من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
_________________
(١) هذا أصح ما قيل في تعريف التفسير، وأكثره تحريرًا واختصارًا، انظر: التفسير اللغوي، ومفهوم التفسير، د. مساعد الطيار.
(٢) من مصطلحات الإمام شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري، انظر: جامع البيان: (١/ ٧)، (١/ ٢٩٨).
[ ١٢١ ]
٢ - أن يجتهد في التخيُّر من أقوال المجتهدين السابقين، أو بناء الأقوال على أقوالهم، وهم على طبقات شتَّى، ومن أجلهم الإمام ابن جرير، وابن عطية، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وكثير غيرهم (^١).
وتكاد كلمة العلماء تتفق على أهمية علم التفسير، وأنَّه من أعوص العلوم، ويقصدون بذلك حقيقة كيفية الوصول للمعنى من الآيات، وأنَّه يحتاج إلى آلات قد لا تتيسر للإنسان إلا بجهد جهيد، ومن ذلك قول الإمام ابن عطية في مقدمة تفسيره: «فإني لما رأيتُ العلومَ فنونًا، وحديث المعارف شجونًا، وسلكت فإذا هي أودية، وفي كل للسلف مقامات حسان وأندية، رأيت أن الوجه لمن تشزَّن (^٢) للتحصيل، وعزم على الوصول، أن يأخذ من كل علم طرفًا خيارا، ولن يذوق النوم مع ذلك إلا غرارًا، ولن يرتقي هذا النجد، ويبلغ هذا المجد، حتى ينضي (^٣) مطايا الاجتهاد، ويصل التأويب بالإسئاد (^٤)، ويطعم الصبِر ويكتحل بالسهاد (^٥)، فجريت في هذا المضمار صدر العمر طلقًا، وأدمنت حتى تفسخت أينا (^٦) وتصببت عرقًا، إلى أن انتهج بفضل الله عملي، وحزت من ذلك ما قسم لي، ثم رأيت أن من الواجب على من احتبى، وتخير من العلوم واجتبى، أن يعتمد على علم من علوم الشرع، يستنفد فيه غاية الوسع، يجوب آفاقه، ويتتبع
_________________
(١) يقول الإمام ابن عطية: «وإنما عبر علماء السلف في ذلك -أي التفسير- بعبارات على جهة المثالات، فجعلها المتأخرون أقوالًا»، المحرر الوجيز: (٥/ ١٧٥).
(٢) تشزن للأمر: تهيأ له، واستعد.
(٣) أي: يُتعب.
(٤) التأويب: سير النهار كله، والإسآد: مش الليل، والمقصود من الجملة: «مواصلة البحث والاطلاع».
(٥) السهاد: ذهاب النوم بالليل.
(٦) الأين: التعب.
[ ١٢٢ ]
أعماقه، ويضبط أصوله، ويحكم فصوله، ويلخص ما هو منه، أو يؤول إليه، ويعنى بدفع الاعتراضات عليه، حتى يكون لأهل ذلك العلم كالحصن المشيد، والذخر العتيد، يستندون فيه إلى أقواله، ويحتذون على مثاله.
فلما أردت أن أختار لنفسي، وأنظر في علمٍ أعد أنوارَه لظلم رمسي (^١)، سبرتها بالتنويع والتقسيم، وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم فوجدت أمتنها حبالًا، وأرسخها جبالًا، وأجملها آثارًا، وأسطعها أنوارًا، علم كتاب الله جلت قدرته، وتقدست أسماؤه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، هو العلم الذي جعل للشرع قوامًا، واستعمل سائر المعارف خدامًا منه تأخذ مبادئها، وبه تعتبر نواشئها، فما وافقه منها نصع وما خالفه رفض ودفع، فهو عنصرها النمير، وسراجها الوهاج، وقمرها المنير.
وأيقنت أنَّه أعظم العلوم تقريبًا إلى الله تعالى، وتخليصًا للنيات، ونهيًا عن الباطل، وحضًا على الصالحات، إذ ليس من علوم الدنيا فيختل حامله من منازلها صيدًا، ويمشي في التلطف لها رويدًا.
ورجوت أن الله تعالى يحرم على النار فكرًا عمرته أكثر عمره معانيه، ولسانًا مرن على آياته ومثانيه، ونفسًا ميزت براعة رصفه ومبانيه، وجالت سومها في ميادينه ومغانيه، فثنيت إليه عنان النظر، وأقطعته جانب الفكر، وجعلته فائدة العمر، وما ونيت - علم الله- إلا عن ضرورة بحسب ما يلم في هذه الدار من شغوب، ويمس من لغوب، أو بحسب تعهد نصيب من سائر المعارف.
_________________
(١) أي: تراب قبره.
[ ١٢٣ ]
فلما سلكت سبله بفضل الله ذللًا، وبلغت من اطراد الفهم فيه أملًا، رأيت أن نكته وفوائده تغلب قوة الحفظ وتفدح، وتسنح لمن يروم تقييدها في فكره وتبرح، وأنَّها قد أخذت بحظها من الثقل، فهي تتفصى من الصدر تفصي الإبل من العقل.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥].
قال المفسرون: أي علم معانيه والعمل بها.
ففزعت إلى تعليق ما يُتَنخَّل لي في المناظرة من علم التفسير وترتيب المعاني، وقصدت فيه أن يكون جامعًا وجيزًا محررًا، لا أذكر من القصص إلا ما لا تنفك الآية إلا به، وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم على ما تلقى السلف الصالح - رضوان الله عليهم - كتاب الله من مقاصده العربية السليمة من إلحاد أهل القول بالرموز، وأهل القول بعلم الباطن، وغيرهم، فمتى وقع لأحد من العلماء الذين قد حازوا حسن الظن بهم لفظ ينحو إلى شيء من أغراض الملحدين نبهت عليه.
وسردت التفسير في هذا التعليق بحسب رتبة ألفاظ الآية من حكم، أو نحو، أو لغة، أو معنى، أو قراءة، وقصدت تتبع الألفاظ حتى لا يقع طفر (^١) كما في كثير من كتب المفسرين .. وقصدت إيراد جميع القراءات: مستعملها وشاذها، واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات الألفاظ، كل ذلك بحسب جهدي وما انتهى إليه علمي، وعلى غاية من الإيجاز وحذف فضول القول.
وأنا أسأل الله جلت قدرته، أن يجعل ذلك كله لوجهه، وأن يبارك فيه وينفع به، وأنا وإن كنت من المقصرين فقد ذكرت في هذا الكتاب كثيرًا من علم
_________________
(١) أي: وثب أو قفز.
[ ١٢٤ ]
التفسير، وحملت خواطري فيه على التعب الخطير، وعمرت به زمني، واستفرغت فيه منني (^١)، إذ كتاب الله تعالى لا يتفسر إلا بتصريف جميع العلوم فيه، وجعلته ثمرة وجودي، ونخبة مجهودي، فليستصوب للمرء اجتهاده، وليعذر في تقصيره وخطئه وحسبنا الله ونعم الوكيل» (^٢).
وقد آثرت أن أنقله بتمامه، لتعرف مدى الجهد الذي ينبغي أن يبذله طالب علم التفسير، للوصول للمعاني من الآيات.
فخلاصة الأمر: أن التفسير علم عظيم، خطير، جليل، وهو من أعوص علوم الشريعة، لا كما يُظَن، ومتعلقه كلام الله تعالى، وهو شرح له وبيان عن معانيه وأحكامه، قدر الطاقة البشرية.
ومن ثم فإن مسؤوليته عظيمة، والكلام فيه بغير علم كاف وتحقيق تام = من الافتراء على الله، والقول عليه بغير علم، ولذا كان كثير من السلف، أصحاب الفهوم الصحيحة، والألسن الفصيحة، يتورعون عن الكلام فيه بحرف، ويقولون الله أعلم بما قال، وما عندهم من العلم في القرآن أعظم مما عند أكبر كابر في الخلف، والآثار عن شيخي الإسلام ووالدي المسلمين أبي بكر وعمر في الكلام في القرآن بالرأي محفوظة مشهورة.
وكثير من الناس يظن أن التفسير مجرد (تأليف)، ولربما سماه تأملًا، أو خواطر، وغير ذلك، ولا يغني هذا عن التبعة المذكورة (^٣).
_________________
(١) أي: قوتي.
(٢) المحرر الوجيز: (١/ ٣٣ - ٣٥)، وانظر: مقدمة الزمخشري لكتابه الكشاف.
(٣) من كلام للشيخ عمرو بسيوني.
[ ١٢٥ ]
* أما التدبر فأقرب ما يمكن أن يقال في تعريفه، «تأمل القرآن بقصد الاتعاظ والامتثال» (^١).
أو «الوقوف مع الآيات والتأمل فيها، والتفاعل معها؛ للانتفاع والامتثال» (^٢).
- وهذا التدبر لا بد أن يسبقه فهم للمعنى المراد من الآية، إذ محل التدبر مدلولات الآيات، يقول الإمام الطبري ﵀ في تقرير هذا المعنى: «وفي حث الله ﷿ عباده على الاعتبار بما في آي القرآن، من المواعظ والتبيان، بقوله جل ذكره، لنبيه ﷺ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ٢٩﴾ [ص: ٢٩]، وقوله: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون﴾ [الزمر: ٢٨]، وما أشبه ذلك من آي القرآن، التي أمر الله عباده، وحثهم فيها، على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتعاظ بمواعظه، ما يدل على أن عليهم معرفة تأويل ما لم يحجب عنهم تأويله من آيات.
لأنَّه محال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به، ولا معرفة من القيل والبيان إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به. فأما قبل ذلك، فمستحيل أمره بتدبره، وهو بمعناه جاهل، كما محال أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلام العرب ولا يفهمونه. لو أنشدت قصيدة شعر من أشعار بعض العرب، ذات أمثال ومواعظ وحكم: اعتبر بما فيها من الأمثال، وادكر بما فيها من المواعظ إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلام العرب ومعرفته، ثم الاعتبار بما نبهه عليه ما فيها من
_________________
(١) انظر: تحرير معنى التدبر عند المفسرين، د. فهد الوهبي.
(٢) مفهوم التدبر في ضوء القرآن والسنة وأقوال السلف وأحوالهم، د. محمد الربيعة.
[ ١٢٦ ]
الحكم، فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق؛ فمحال أمرها بما دلت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعبر، بل سواء أمرها بذلك وأمر بعض البهائم به، إلا بعد العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها.
فكذلك ما في آي كتاب الله، من العبر والحكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: اعتبر بها، إلا لمن كان بمعاني بيانه عالمًا، وبكلام العرب عارفًا، وإلا بمعنى الأمر لمن كان بذلك منه جاهلًا، أن يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبره بعد، ويتعظ بحكمه وصنوف عبره.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله جل ثناؤه، قد أمر عباده بتدبره، وحثهم على الاعتبار بأمثاله، كان معلوما أنَّه لم يأمر بذلك من كان بما يدل عليه آيه جاهلًا.
وإذا لم يجز أن يأمرهم بذلك، إلا وهم بما يدلهم عليه عالمون، صح أنهم بتأويل ما لم يحجب عنهم علمه من آيه الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه الذي قد قدمنا صفته آنفا عارفون» (^١).
وعليه، فيمكن التفريق بين التدبر والتفسير من عدة وجوه:
١ - أنَّ التفسير هو كشف المعنى المراد في الآيات، والتدبر هو ما وراء ذلك من إدراك مغزى الآيات ومقاصدها، واستخراج دلالاتها وهداياتها، والتفاعل معها، واعتقاد ما دلت عليه وامتثاله.
٢ - أنَّ التدبر أمر به عامة الناس للانتفاع بالقرآن والاهتداء به، ولذلك خوطب به ابتداءً الكفار في آيات التدبر، والناس فيه درجات بحسب رسوخ العلم والإيمان وقوة التفاعل والتأثر.
_________________
(١) جامع البيان: (١/ ٧٦).
[ ١٢٧ ]
وأمَّا التفسير فمأمور به بحسب الحاجة إليه لفهم كتاب الله تعالى بحسب الطاقة البشرية، ولذا فإن الناس فيه درجات كما قال ابن عباس: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله» (^١).
٣ - أنَّ التدبر لا يحتاج إلى شروط إلا فهم المعنى العام مع حسن القصد وصدق الطلب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، أما التفسير فله شروط ذكرها العلماء، لأنه من القول على الله، ولذا تورع عنه بعض السلف (^٢).
* ومما ينبغي أن يُعلم أن الناس على درجات متفاوتة في التدبر بحسب آلاتهم وإمكاناتهم، فليس تدبر العالم المتبحر في الشريعة كتدبر العامي، ولكل درجات، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
على أنَّ كثيرًا من الناس قد يتجرأ على كتاب الله تعالى فيفسره بمعهود قومه، أو بما يهجم على خاطره من المعاني، وقد يسمي ذلك خواطر أو تأملات أو تدبر أو غير ذلك، وهذا من الخطأ ومجانبة للصواب.
ولست أريد هنا بيان كيفية التدبر، والمعين عليه، وموانع ذلك، .. إلى غير ذلك، فقد أُفردَت مصنفات في بيان ذلك (^٣)، ولكني أريد أن أبين أن الله
_________________
(١) جامع البيان: (١/ ٧٠).
(٢) مفهوم التدبر في ضوء القرآن والسنة وأقوال السلف وأحوالهم، د. محمد الربيعة.
(٣) ومنها:
(٤) تدبر القرآن، للأستاذ سلمان السنيدي.
(٥) قواعد التدبر، للشيخ العلامة عبد الرحمن حبنكة الميداني.
(٦) المراحل الثمان، د. عصام العويد.
(٧) مجموع أوراق العمل بالملتقى العلمي الأول للتدبر، والملتقى الثاني.
(٨) تعليم تدبر القرآن الكريم: للدكتور هاشم بن علي الأهدل.
(٩) الخلاصة في تدبر القرآن، للشيخ د. خالد السبت.
(١٠) تدبر القرآن الكريم، للشيخ د. عبد اللطيف التويجري. وغيرها كثير، ويمكن متابعة إصدارات مركز تدبر ففيها خير كبير.
[ ١٢٨ ]
تعالى حين شرع التدبر للناس لم يشرع لهم أن يتجرؤوا على كتابه، بل هذا أمر لهم بتحصيل الآلة المعينة على تدبر القرآن (^١).
ولذلك فسأطرح هنا خطوات عملية لمريد التدبر أن يسلكها لينجو إن شاء الله تعالى من الوقوع في المحذور:
أولًا: على مريد التدبر أن يتعرف على المعنى الإجمالي للآيات - على الأقل - ليضبط تدبره (^٢)، «إنَّ التدبر هو مرحلة ما بعد التفسير .. ! أي ما بعد الفهم للآية.
لكن الفهم المطلوب لتحصيل التدبر إنما هو الفهم الكلي العام، أو بعبارة أخرى: الفهم البسيط.
ولا يشترط في ذلك تحقيق أقوال المفسرين والغوص في دقائق كتب التفسير! وإلا صار القرآن موجهًا إلى طائفة محصورة فقط! ومن ثم يمكن لأي شخص أن يتدبر القرآن بعد التحقق من المعنى المشهور للآية، يقرؤها من أي تفسير أو يسمعها» (^٣).
_________________
(١) ومما ينبغي التنبه له: أنَّه يكثر - في شهر رمضان خاصًّة - تجرؤ كثير من الناس على كتاب الله بالتفسير والبيان، تحت مسميات مختلفة: (تدبر، وخواطر، ولطائف)، وكثير من الدُّعاة يهجم على الآيات، بل قد يفسرها بمعهود قومه، وكل هذا من القول على الله بلا علم!
(٢) ككتاب التفسير الميسر، والمختصر في التفسير.
(٣) هذه رسالات القرآن، للأنصاري: (٦١).
[ ١٢٩ ]
ثانيًا: كلما ازدادت معرفتك بالآية، وسبب نزولها، وفضلها - إن وجد - فإن تدبرك سيكون أعمق، فلا تقتصر على الكتب التي تحمل المعنى الإجمالي، بل عليك بما هو أوسع من ذلك (^١).
ثالثًا: من أعظم طرق التدبر (تثوير القرآن) (^٢)، ومراجعة حل ما ثورته على نفسك من كتب التفسير، أو أحد من أهل العلم بكتاب الله تعالى.
رابعًا: لا تبادر بنشر ما توصلت إليه إلا بعد مراجعة ونظر وتدارس، ولا تستنكف من قبول الحق إن بان فيما توصلت إليه خطأ نبهك غيرك على وجه الصواب فيه.
* أما التأثر فهو ضرب من ضروب التدبر، وهو ما يسميه بعض العلماء (التدبر الوجداني) (^٣)، وهذا التأثر يختلف عن التدبر بالمعنى المتقدم بأنه قد لا يحتاج إلى تأمل عقلي أو إلى معرفة بالدلالات العميقة للآيات.
ولا بد من التنبيه على أن بعض المشركين، وبعض الأعاجم يقع عنده من التأثر بالقرآن مع عدم معرفة المعنى، إذ للقرآن سطوة على النفوس!
وإنما نبهت على ذلك لأنه قد يخلطُ بعضُ النَّاسِ بين التَّدبُّرِ والتَّأثُّرِ من سماع القرآن، فيجعلونَ القشعريرةَ التي تصيب الإنسان والخشوعَ الذي يلحقُه بسبب تأثيرِ القرآنِ عليه هو التَّدبُّرُ، وليسَ الأمرُ كذلك.
فالتَّدبُّرُ عمليَّةٌ عقليَّةٌ تحدثُ في الذِّهنِ، والتَّأثُّرُ انفعالٌ في الجوارحِ والقلبِ، وقد يكونُ بسبب التَّدبُّرِ، وقد يكونُ بسببِ روعةِ القرآنِ ونظمه، وقد يكونُ بسبب
_________________
(١) كمختصرات ابن كثير، والمعين لمجد مكي.
(٢) انظر حول هذا المعنى مقال: (تثوير القرآن).
(٣) رسالات القرآن، فريد الأنصاري: (٨١).
[ ١٣٠ ]
حالِ الشَّخصِ في تلكَ اللَّحظةِ، واللهُ أعلمُ (^١).
* تنبيهات:
١ - ثم فرق بين التفسير وبين المعلومات الموجودة في كتب التفسير، فليس كل معلومة موجودة في كتب التفسير هي من صلب علم التفسير، إذ كل علم له بالقرآن تعلق، وقد يستطرد المفسر في علم برع فيه، فيتكلم عليه في سياقات كلامه عن الآيات (^٢)، وقد يذكر بعض اللطائف والفوائد وغير ذلك.
وهذه اللطائف والفوائد هي في الحقيقة نوع من التدبر للقرآن المجيد.
٢ - «كُلُّ عالِمٍ أو كلُّ مفسِّرٍ متدبرٌ، وليس كل متدبرٍ مفسِّرًا»! فتأمل .. (^٣)!
ختامًا: إنَّ بعض ما يسميه الناس تدبرات وخواطر، إنما هي في الحقيقة (أُمنيات) = أي: إنَّه يتمنى أن تكون الآية كما يتمنى هو لا ما هي عليه على الحقيقة!!
فلتحذر من أن تحمل الآيات على ما تريد، فإنه اتباع للهوى، وقانا الله منه.
_________________
(١) مفهوم التفسير، والتأويل: (٢٠٤).
(٢) انظر مقال: علم التفسير وسؤال المنهجية، للكاتب.
(٣) هذه رسالات القرآن: (٧٠).
[ ١٣١ ]
«وندمت على تضييعِ أكثرِ أوقاتي في غير معاني القرآن»
ابن تيمية
[الجامع لسيرته: (٤٦٥)]
[ ١٣٣ ]