قد أشار الله ﷾ إلى أفضل طرق المعاهدة، والتي ينبغي لحافظ القرآن الاعتناء بها، وهي قيام الليل بالمحفوظ من القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وإنَّ الليل مظنة الحضور والفهم وصفاء النفس وتفريغ القلب من العلائق والشواغل (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري: (٧٦٥)، ومسلم: (٤٦٣).
(٢) رواه مسلم: (٤٥٢).
(٣) رواه البخاري: (٧٧١)، ومسلم: (٤٦١).
(٤) يقول الشيخ فريد الأنصاري: «إن لناشئة الليل قناديل أخرى تنبض بنور أخضر، نور يمده زيت الحذر من وعيد الله، وأريج المحبة لجمال الله .. فتبتهج الدوالي حزنًا وفرحًا، وتنشط الخفاف سيرًا إلى الله، قيامًا وسجودًا .. ذلك فصل فريد خارج فصول المدار، ومطلع خفي من غير المطالع الخمسة، له إشراق ربيعي، وأريج من كثبان الجنة، يملأ الحراب مسكًا وريحانًا .. فارشف يا سالك … ! هذه كأس العارفين بالله، تفيض عليك بعلمه، فارشف ولا تك من الجاهلين!».
[ ٦٣ ]
والنبي ﷺ هو المخاطب بذلك، وبقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤].
وكان ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه (^١)، وكان يطيلُ القراءة في صلاته؛ كما جاء عن حذيفة، قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ …» (^٢)، وعن عوف بن مالك، يقول: قمت مع رسول الله ﷺ فبدأ فاستاك، ثم توضأ، ثم قام يصلي وقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف يتعوذ، ثم ركع فمكث راكعًا بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة» ثم قرأ آل عمران، ثم سورة، ففعل مثل ذلك» (^٣)، ثم يوجه النبي ﷺ أصحابه وهو القدوة في ذلك، بأنه «وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه» (^٤)، فتبين من هذا الحديث أن من يقوم بالقرآن يكون حاضر الذهن متذكرًا لآياته، متعاهدًا له.
يقول الشيخ عطيه سالم ﵀: «وقد سَمعتُ من الشيخ (^٥) -رحمة الله تعالى علينا وعليه- قوله: لا يثبتُ القرآن في الصدر، ولا يسهل حفظه وييسر فهمه إلا
_________________
(١) رواه البخاري: (١١٣٠)، ومسلم: (٢٨١٩).
(٢) رواه مسلم: (٧٧٢).
(٣) رواه أحمد: (٢٣٩٨٠)، وأبو داود: (٨٧٣).
(٤) رواه مسلم: (٧٨٩).
(٥) يقصد الشيخ: محمد الأمين الشنقيطي.
[ ٦٤ ]
القيام به من جوفِ الليل، وقد كان - رحمه الله تعالى - لا يترك ورده من الليل صيفًا أو شتاء» (^١).
وقد نهج الصحابة ﵃ نهج رسول الله ﷺ في معاهدة القرآن الكريم بتلاوة المحفوظ في صلاة الليل، كما ثبت «أنَّ أبا موسى كان بين مكة والمدينة، «فصلى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوتر بها، فقرأ فيها بمائة آية من النساء»، ثم قال: ما ألَوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله ﷺ قدميه وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله ﷺ» (^٢)، وكان ابن عمر ﵄ يقرأ البقرة في ركعة وكان بطيء القراءة (^٣).
وقد سار السلف الصالح في معاهدة القرآن بهذا المنهج، حتى عُرِفَ بينهم، كما قال أبو عبد الله بن بشر القطان: «ما رأيت أحسن انتزاعًا لما أراد من آي القرآن من أبي سهل بن زياد وكان جارنا، وكان يديم صلاة الليل والتلاوة، فلكثرة درسِه صار القرآن كأنَّه بين عينيه» (^٤).
تأمَّل هذا الوصف: «صار القرآن كأنه بين عينيه»، أيُّ قلب كان يحمل، وأي نور كان يرى به، رحمة الله علينا وعليه.