لما نزل النبي ﷺ المدينة وأقام المسجد، كانت تلاوة القرآن من الأمور المشهورة المنتشرة، وهناك مظاهر كثيرة للاعتناء النبوي بإيصال القرآن إلى الصحابة، ومن ذلك:
١ - إسماعهم القرآن في الصلاة، والخطب، بل إنَّ بعضهم أخذوا بعض السور من كثرة ترداد النبي ﷺ لها في الجمعة كسورة (ق والقرآن المجيد) (^١).
٢ - ترتيب الأجر على تلاوة القرآن عامة، وبعض السور خاصة، كالزهراوين (^٢).
_________________
(١) عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن أخت لعمرة، قالت: «أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ١﴾ [ق: ١] من في رسول الله ﷺ يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة»، رواه مسلم: (٨٧٢).
(٢) سورتي: البقرة، وآل عمران. عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجَّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإنَّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطَلَة»، رواه مسلم: (٨٠٤).
[ ٣٥ ]
٣ - الأخذ الخاص على النبي ﷺ، كقراءة ابن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهما عليه.
وقد كان النبي ﷺ هو المرجع في الاختلاف، لذا لم يكن ثم خلاف في القرآن، بل لما حصل خلاف في الأحرف، زال بالرجوع إلى النبي ﷺ، وهناك آثار مشهورة في هذا الموضوع.
٤ - وظهرت آثار هذه العناية على الصحابة، فكان ابن مسعود، يقول في بني إسرائيل (^١)، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: «إنهنَّ من العِتَاق الأُوَل، وهنَّ من تِلادي» (^٢)، أي: من محفوظي القديم.
بل ظهرت طبقة خاصة سمُّوا فيما بعد بالقراء، وهم الذين استحرَّ (^٣) بهم القتل في اليمامة، فجمع الصِّدِّيقُ القرآن.
وفي هذه الفترة ظهرت طبقة كتاب الوحي، فكان النبي ﷺ إذا نزل شيء من القرآن دعا كاتبًا من كتاب الوحي فكتب له.
ومن كتاب الوحي: (عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان) ﵃.
وكان الصحابة يكتبون القرآن في الأدوات المتاحة لهم، كاللخاف، والرقاع، والأقتاب، والأكتاف (^٤).
_________________
(١) اسم من أسماء سورة: الإسراء.
(٢) رواه البخاري: (٤٩٩٤).
(٣) أي: اشتد واحتدم.
(٤) كلها من أدوات الكتابة الشائعة في ذلك العصر.
[ ٣٦ ]
وخلاصة القول أنَّ تلك الفترة تميزت بالآتي:
١ - أنَّ القرآن كتب في عهد النبي ﷺ.
٢ - أنَّه كان مفرقًا في عدد من الأدوات.
٣ - أنَّ الحاجة لم تدع إلى جمعه في مصحف واحد، سيما مع وجود زيادة، ووقوع نسخ، ونحو ذلك.