سئل شيخ الإسلام ﵀ وأثابه الجنة:
ما دواء من تحكم فيه الداء، وما الاحتيال فيمن تسلَّط عليه الخبال، وما العمل فيمن غلب عليه الكسل، وما الطريق إلى التوفيق، وما الحيلة فيمن سطت عليه الحيرة؟
إن قصد التوجه إلى الله منعه هواه، وإن رام الادِّكار غلب عليه الافتكار، وإن أراد يشتغل لم يطاوعه الفشل.
غلبَ الهوى فتراه في أوقاتِه … حيران صاحي بل هو السكران
إن رام قربًا للحبيبِ تفرَّقت … أسبابه وتواصلَ الهجران
هجر الأقارب والمعارف علَّه … يجد الغنى وعلى الغناء يعان
ما ازداد إلا حيرة وتوانيًا … أكذا بهم من يستجير يهان
فأجاب:
دواؤه الالتجاء إلى الله تعالى، ودوام التضرع إلى الله سبحانه، والدعاء بأن يتعلم الأدعية المأثورة، ويتوخَّى الدعاء في مظانِّ الإجابة؛ مثل آخر الليل، وأوقات الأذان والإقامة، وفي سجوده، وفي أدبارِ الصلوات.
[ ٤٥ ]
ويضمُّ إلى ذلك الاستغفار؛ فإنَّه من استغفر الله ثم تاب إليه متَّعه متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى.
وليتخذ وردًا من الأذكار طرفي النهار ووقت النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف، فإنه لا يلبث أن يؤيده الله بروح منه، ويكتب الإيمان في قلبه.
وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس بباطنه وظاهره، فإنَّها عمود الدين.
ولتكن هجيراه: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، فإنَّه بها يحمل الأثقال، ويكابد الأهوال، وينال رفيع الأحوال.
ولا يسأم من الدعاء والطلب، فإن العبد يستجاب له ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي.
وليعلم أنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرج مع الكرب، وأنَّ مع العسر يسرًا، ولم ينل أحد شيئًا من جسيم الخير - نبي فمن دونه - إلا بالصبر، والحمد لله رب العالمين (^١).
«واعلم أنَّ من أكثر من ذكر شيء وإن كان تكلفًا أحبه، فكذلك أول الذكر متكلف إلى أن يثمر الأنس بالمذكور والحب له، ثم يمتنع الصبر عنه آخرًا فيصير الموجب موجبًا والثمر مثمرًا.
وهذا معنى قول بعضهم: (كابدتُّ القرآن عشرين سنة، ثم تنعمتُ به عشرين سنة).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١٠/ ١٣٧).
[ ٤٦ ]
ولا يصدر التنعيم إلا من الأنس والحب، ولا يصدر الأنس إلا من المداومة على المكابدة والتكلف مدة طويلة حتى يصير التكلف طبعًا، فكيف يستبعد هذا وقد يتكلف الإنسان تناول طعام يستبشعه أولًا ويكابد أكله ويواظب عليه = فيصير موافقًا لطبعه حتى لا يصبر عنه فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف، هي النفس ما عودتَّها تتعود» (^١).
«فإذا أردتَّ الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألقِ سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفًا على مؤثر مقتض، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجزِ لفظ وأبينه وأدله على المراد فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾، أشار إلى ما تقدم من أول السورة إلى ههنا، وهذا هو المؤثر، وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]، أي: حي القلب.
وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي: وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام.
وقوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: شاهد القلب حاضر غير غائب، استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله.
_________________
(١) إحياء علوم الدين: (١/ ٣٠٢).
[ ٤٧ ]
فإذا حصل المؤثِّر؛ وهو القرآن، والمحل القابل؛ وهو القلب الحي، ووجد الشرط؛ وهو الإصغاء، وانتفى المانع؛ وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيء آخر= حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر» (^١).
_________________
(١) الفوائد، لابن قيم الجوزية: (٣)، بتصرف، وانظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية: (١٨)، وما بعدها.
[ ٤٨ ]
«إنما الآية مثلُ التمرة كلما مضغتها استخرجتَ حلاوتها»
بشر بن السري
[البرهان في علوم القرآن: (١/ ٤٧١)]
[ ٤٩ ]