جاء الحث من الله تعالى لنبيه ﷺ على الاستمساك بالكتاب، وهو مستلزم للتعاهد، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣].
وجعله الله تعالى شارة المصلحين، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
وحضَّ النبي ﷺ على الاستمساك بالكتاب، تلاوةً، ومدارسةً، وجاء هذا الحض في صور متعددة منها صورة الحث بلفظ التعاهد:
فعن أبي موسى، عن النبي ﷺ، قال: «تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها» (^١).
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إنما مثلُ صاحب القرآن، كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهدَ عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري: (٥٠٣٣)، ومسلم: (٧٩١).
(٢) رواه البخاري: (٥٠٣١)، ومسلم: (٧٨٩).
[ ٥١ ]
والقيام بالكتاب سبيل للتعاهد، وفي رواية مسلم: «وإذا قامَ صاحبُ القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه» (^١).
وصاحبُ القرآن: أي الذي ألفه، والمؤالفة المصاحبة وهو كقوله: أصحاب الجنة (^٢).
والقرآن كتاب عزيز له أسرار لا تظهر إلا بطول المصاحبة، فكلما ازدادت صحبة المرء مع القرآن = ازداد معرفة بأسراره، وآياته وبيناته.
وإنما ذكر الإبل وخصها = لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورًا، وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة (^٣).
والقرآن أشد تفصيًا من صدور الرجال من النَّعَم (^٤)، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي. استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم بعقلها» (^٥).
وسبب الذم ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره.
فإذا قال الإنسان نسيت الآية الفلانية فكأنَّه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه الذي يورث النسيان (^٦).
_________________
(١) رواه مسلم: (٧٨٩).
(٢) انظر، فتح الباري لابن حجر: (٨/ ٦٩٦).
(٣) فتح الباري، ابن حجر: (٩/ ٧٩).
(٤) رواه البخاري: (٥٠٣٢)، ومسلم: (٧٩٠).
(٥) رواه البخاري: (٥٠٣٩)، ومسلم: (٧٩٠).
(٦) انظر: فتح الباري، ابن حجر: (٩/ ٨١).
[ ٥٢ ]
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ لله أهلين من الناس»، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: «أهلُ القرآن هم أهل الله وخاصته» (^١).
وفي هذا الحديث بيانٌ لمنزلة حفاظ القرآن والعاملين به والداعين إليه، وهم أولياء الله والمختصون به اختصاص أهل الإنسان به.
فهل تريد أن تكون من أهل الله؟! دونك الكتاب فانهل.
ومن حثه ﷺ على التعاهد مرغبًا فيه؛ بيان منزلة صاحب القرآن في الآخرة كما جاء عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتِّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها» (^٢).
ففي هذا الحديث بيان لمنزلة صاحب القرآن الذي كان في الدنيا يلازم القرآن بالتلاوة والعمل، فيقال له عند دخوله الجنة: اقرأ واصعد في درجات الجنة، واقرأ بالترتيل ولا تستعجل بالقراءة كما كنت ترتل في الدنيا من تجويد الحروف ومعرفة الوقوف (^٣).
وعن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده: (٣/ ١٢٧)؛ وابن ماجه: (٢١٥)؛ والنسائي في الكبرى: (٨٠٣١)، (٣٢٠٦)، وهو صحيح.
(٢) رواه أحمد في مسنده: (٢/ ١٩٢)، وأبو داود: (١٤٦٤)، والترمذي: (٢٩١٤)، وقال: «حسن صحيح»، والنسائي في الكبرى: (٨٠٥٦).
(٣) انظر، تحفة الأحوذي، للمباركفوري: (٨/ ١٨٦ - ١٨٧).
[ ٥٣ ]
آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنَّهما فرقَان من طير صواف، تحاجَّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإنَّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة» (^١).
فالعجب ممن يعلم هذه الفضائل، ثم هو يبحث عن الشفاء في غير الكتاب، يا هذا! هذا كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فأقبل على كتاب ربك، أقبل عليه قبل أن تتحسر!
وعن جبير بن نفير، قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي، يقول: سمعت النبي ﷺ، يقول: «يؤتَى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة، وآل عمران»، وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: «كأنهما غمامتان، أو ظلتان سوداوان بينهما شَرْق (^٢)، أو كأنهما حِزْقان من طير صواف، تحاجَّان عن صاحبهما» (^٣).
فالقرآن يشفع لأصحابه وخاصته، المؤمنين به والملازمين لتلاوته، والعاملين بتعاليمه.
ومن ذلك شحذه ﷺ للهمم بمعاهدة القرآن واغتباط صاحبه، فعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا حسدَ إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب، وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالًا، فهو يتصدق به آناء الليل والنهار» (^٤).
_________________
(١) البَطَلَة: السحرة، والحديث رواه مسلم: (٨٠٤).
(٢) شرق: هو بفتح الراء وإسكانها، أي ضياء ونور، والأشهر في الرواية واللغة الإسكان. انظر: شرح صحيح مسلم للنووي: (٦/ ٧٩).
(٣) رواه مسلم: (٨٠٥).
(٤) رواه البخاري: (٥٠٢٥)، ومسلم: (٨١٥).
[ ٥٤ ]
وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا حسدَ إلا في اثنتين: رجل علَّمَهُ الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل، وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل» (^١).
«ومضمون هذين الحديثين أنَّ صاحب القرآن في غبطة، وهي حُسْنُ الحال، فينبغي أن يكون شديد الاغتباط بما هو فيه، ويستحب تغبيطه بذلك، يقال: غَبَطَه يَغْبِطُهُ غبطًا؛ إذا تمنَّى مثل ما هو فيه من النعمة، وهذا بخلاف الحسد المذموم، وهو تمنِّي زوال نعمة المحسود عنه، سواء حصلت لذلك الحاسد أو لا، وهذا مذموم شرعًا مهلك، وهو أول معاصي إبليس حين حسد آدم ما منحه الله تعالى من الكرامة والاحترام والإعظام.
والحسد الشرعي الممدوح هو تمنِّي حال مثل ذاك الذى هو على حالة سارة، ولهذا قال ﵇: (لا حسد إلا في اثنين)، فذكر النعمة القاصرة وهو تلاوة القرآن آناء الليل والنهار، والنعمة المتعدية وهي إنفاق المال بالليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]» (^٢).
وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثال لإيضاح المقاصد، دافعًا إلى المداومة على قراءة القرآن، ومن ذلك ما جاء عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٢٦).
(٢) فضائل القرآن، ابن كثير: (٢٠١).
[ ٥٥ ]
وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر» (^١).
في هذا الحديث حض على تعاهد القرآن، بتشبيه معقول بمحسوس، فلما كان طيب المطعم وطيب الرائحة في النفس المؤمنة عقليين وكانت الأمور العقلية لا تبرز عن موصوفها إلا بتصويرها بصورة المحسوس المشاهد، شبه ﷺ بالأترجة الموجود فيها ذلك حسًّا تقريبًا للفهم والإدراك، فطيب المطعم في النفس المؤمنة الإيمان لأنه ثابت في النفس هي به طيبة الباطن كثبوته في الأترجة، والطيب الرائحة فيه يرجع إلى قراءته القرآن لأن القراءة قد يتعدى نفعها إلى الغير فينتفع بها المستمع، كما أن طيب رائحة الأترجة تتعدى وينتفع بها المستروح، أي الشَّام.
والمراد بقوله: (يقرأ القرآن): بصيغة المضارع الدوام والاستمرار على تلاوته؛ لأن المقصود من حفظ القرآن تعاهده بكثرة التلاوة للوقوف على أسرار معانيه، والاتعاظ بكريم مواعظه، والعمل بشريف أوامره ونواهيه (^٢).
وعن عقبة بن عامر، قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كَومَاوَينِ في غير إثمٍ، ولا قطع رحم؟»، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله ﷿، خير له
_________________
(١) رواه البخاري: (٥٠٥٩)، ومسلم: (٧٩٧).
(٢) انظر: إكمال إكمال المُعلِّم للأبي: (٣/ ١٣٨ - ١٣٩)، وفتح الباري، ابن حجر: (٨/ ٦٨٤).
[ ٥٦ ]
من ناقتين، وثلاثٌ خير له من ثلاث، وأربعٌ خير له من أربع، ومن أعدادِهنَّ من الإبل» (^١).
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفَات عظامٍ سمانٍ؟» قلنا: نعم، قال: «فثلاث آيات يقرأ بهنَّ أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خَلِفَات عظامٍ سمانٍ» (^٢).
ففي هذين الحديثين حثه ﷺ على المداومة على قراءة القرآن، بقوله: (كل يوم)، وترغيبه ﷺ بقوله: (ومن أعدادهن من الإبل) محفزًا على كثرة القراءة، وكذلك القراءة في الصلاة، وهو أسلوب تربوي فريد في توجيه اهتمامهم إلى الكنز الحقيقي وهو القرآن الكريم (^٣).
فترى - أراك الله الخير - أن النبي ﷺ حث على صورٍ من التعاهد، وهي: التعاهد العام في كل وقت، وقراءته في الليل، وخاصة في صلاة الليل، وقراءته في النهار.
وقد كان النبي ﷺ يتعاهد القرآن العظيم، بعدد من أنواع التعاهد، ومن ذلك: