وقد اهتم السلف بهذا جدًّا، ومما يدل على ذلك أنهم كانوا يعقدون مجالس خاصة لسماع القرآن من الحفاظ العلماء، فإن: «المطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين» كما يقول ابن تيمية (^١).
وقال: «وهذا كان سماع سلف الأمة، وأكابر مشايخها وأئمتها، كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ: كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وأمثال هؤلاء.
وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى الأشعري يا أبا موسى: ذكرنا ربنا!، فيقرأ، وهم يسمعون ويبكون.
وكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا، أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن، والباقي يستمعون.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ، فجعل يستمع لقراءته، وقال: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود، وقال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا (^٢)، أي لحسنته لك تحسينًا .. ولهذا السماع من المواجيد العظيمة، والأذواق الكريمة، ومزيد المعارف والأحوال الجسيمة= مالا يسعه
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (٢٣/ ٥٥).
(٢) السنن الكبرى، للبيهقي: (٢١/ ١٦٦).
[ ٨٧ ]
خطاب، ولا يحويه كتاب، كما أن في تدبر القرآن وتفهمه من مزيد العلم والإيمان مالا يحيط به بيان» (^١).
ولم تكن قراءة أبي موسى إلا قراءة عالم لعلماء يتفهمون عن طريق هذا السماع كلام ربهم سبحانه، وينزلونه على أدوائهم فتحدث الأثر المطلوب.
وكانوا يعقدون مجالس للتثوير، والمذاكرة، وعرض الفهوم في الآيات الكريمة، ومنه: ما ورد عن ابن عباس، قال: «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من قد علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رُئِيتُ (^٢) أنَّه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١]؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: «هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له»، قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] «وذلك علامة أجلك»، ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر: ٣]، فقال عمر: (ما أعلم منها إلا ما تقول)» (^٣).
وكانوا يعقدون المجالس لمذاكرة الكتاب وتدارسِه، ومنه: قال ابن زيد في قوله: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ٢٠٧﴾ [البقرة: ٢٠٧] قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلى السبحة
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (١٠/ ٨١).
(٢) فتح الباري: (٨/ ٦٠٨).
(٣) رواه البخاري: (٤٩٧٠).
[ ٨٨ ]
وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرءوا القرآن، منهم ابن عباس، وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرءون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال فمروا بهذه الآية: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ٢٠٧﴾ [البقرة: ٢٠٧]، قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله. فقال ابن عباس، لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر، ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى هاهنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله، فاقتتل الرجلان. فقال عمر: لله بلادك يا ابن عباس» (^١).
ومن شأنهم سؤال العلماء بالكتاب أهل الرسوخ عنه، ورد كلام بعضهم لبعض للوصول للمراد بالآية الكريمة، ومنه: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، حدثه قال: «بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجل يسأل عن ﴿العاديات ضبحا﴾ [العاديات: ١] فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿العاديات ضبحا﴾ [العاديات: ١] فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عباس، فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي؛ فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما
_________________
(١) الطبري: (٣/ ٥٨٨).
[ ٨٩ ]
كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد فكيف تكون العاديات ضبحًا؟! إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلى مزدلفة إلى منى؛ قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي ﵁» (^١).
وهذه المجالس تثمر فائدة كبرى، مع المعرفة بطرائق الاستنباط، وما يترتب على ذلك من عمق في التأمل، وهي المرحلة التالية.