وهذا التأمل يتلوه العمل، ومما يعين في هذه المرحلة: أن يعتني بعلوم السورة، وعلوم الآية، ومن العلوم المتعلقة بالسورة:
١ - اسم السورة، أو أسماؤها إن كان لها أكثر من اسم.
٢ - مكان نزول السورة، وزمان نزولها (المكي والمدني).
٣ - عدد آي السورة، وعدد كلماتها وحروفها.
٤ - فضائلها، إن كان لها فضائل ثابتة.
٥ - مناسبة السورة لما قبلها، ومناسبة فاتحتها لخاتمتها، ومناسبات موضوعاتها بعضها مع بعضٍ.
٦ - موضوعات السورة.
وأما مجمل علوم الآية، فأذكر منها:
١ - تفسيرها، وذلك ما مضى في القسم الأول.
_________________
(١) الطبري: (٢٤/ ٥٧٣، ٥٨١)، وعن ابن عباس، قال: قال لي علي: «إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى ﴿فأثرن به نقعا﴾ [العاديات: ٤] الأرض حين تطؤها بأخفافها وحوافرها».
[ ٩٠ ]
٢ - فضلها، إن وُجِدَ.
٣ - اسمها، إن وُجِدَ.
٤ - مكان نزولها وزمانه.
٥ - قراءاتها، إن وُجد فيها اختلاف قراءات.
٦ - إعرابها.
٧ - أحكامها التشريعية (من الأحكام الفقهية، والآداب والسلوك).
٨ - أحكامها العقدية.
٩ - ناسخها ومنسوخها (على اصطلاح السلف).
١٠ - وقوفها.
١١ - أسباب نزولها.
١٢ - إعجازها ووجوه بلاغتها (^١).
= والانطلاق من هذه المعلومات إلى إدراك أعمق لهدايات القرآن، ومقاصده.
إنَّ «مَنْ جمع القُرآنَ؛ فقد حَمَلَ أَمرًا عَظِيمًا، وَقَدْ أُدرِجَت النُّبُوَّةُ بين جَنبَيهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يوحى إليه» (^٢)، فينبغي له أن يستعمل الجد في تفهم هذا الكتاب، وحمل رسالاته، وتبليغ هذه الرسالات التي درست في هذه الأزمان.
ومما يعين على تثوير الأسئلة، وحسن الفهم، قراءة القرآن في سكون وهدوء، وفي الحديث «إني لأَعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون
_________________
(١) مستفاد من مقال لشيخنا د. مساعد الطيار.
(٢) تفسير القاسمي = محاسن التأويل: (١/ ٨٣).
[ ٩١ ]
بالليل، وأعرِفُ منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» (^١)، وأَخصُّ تلك الأوقات، وقت اجتماع القلب في سكون الليل.
ومما يعين على التثوير استعمال الأدب مع الكتاب، إنَّ القرآن كتاب عزيز كريم مجيد، فلا بد من الإقبال بتأدب على هذا الكتاب (^٢).
ومما يعين على التثوير الاهتمام بالتحزيب (^٣)، وتكرار ختم القرآن، مع الاهتمام بالعمل به، فإن ذلك يثمر خيرًا كثيرًا.
ولا بأس أن يجعل الإنسان لنفسه ختمة للتدبر، وقد استمرت عند بعض السلف مدة أربعين سنة!
والطرق في الوصول لتلقي القرآن، وتدبره، وما يعين عليه، وموانع ذلك = كثيرة جدًّا، فليكتف السالك بكتاب أو كتابين، ثم ليعالج هو بنفسه هذا النعيم في الحياة مع هذا الكتاب.
إنَّ من أعظم ما تعانيه قطاعات من المنتسبين للعلم ضعف الاستدلال القرآني في خطاباتهم، بل قد يكون الاستدلال بكلام الغرب والشرق أقرب إليهم من الاستدلال بكلام الله تعالى.
لا شك أنَّ «من المعلوم أنَّه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل الناس فيه تفاضلًا لا ينضبط لنا .. [وأن] القرآن الذي يقرأه الناس بالليل
_________________
(١) رواه البخاري: (٤٢٣٢)، ومسلم: (٢٤٩٩).
(٢) آداب قارئ القرآن وحامله مبثوثة في مصنفات، من أمثلها: آداب حملة القرآن للآجري، والتبيان لأبي زكريا النووي.
(٣) سبق الحديث عنه في مقال: (تعاهدوا القرآن).
[ ٩٢ ]
والنهار يفاضلون في فهمه تفاضلًا عظيمًا، .. [ولكن] القرآن مورد يرده الخلق كلهم، وكل ينال منه على مقدار ما قسم الله له» (^١).
وأختم هذا الكلام بذكر الحديث عن رجل بلغ من علمه بالقرآن أنَّه ظل يفسر سورة نوح سنة!، ومع ذلك يقول في آخر حياته، وهو في السجن بعد أن انفرد مع القرآن: «قد فتح الله عليَّ في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كَانَ كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن» (^٢)، ألا رحم الله أبا العباس ابن تيمية!
_________________
(١) درء التعارض: (٧/ ٤٢٧)، بتصرف.
(٢) الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون: (٢٨٤).
[ ٩٣ ]
«نظرنا في هذا الحديث، فلم نجد شيئًا أرق لهذه القلوب، ولا أشد استجلابًا للحق، من قراءة القرآن لمن تدبره»
وهيب بن الورد
[حلية الأولياء: (٨/ ١٤٢)]
[ ٩٥ ]