(١) ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]!
هذا عتاب من الجميل تعالى، لعبد جميل، بخطاب جميل.
فهل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذه المعاتبة؟
هل رأيتم محبة كهذه المحبة؟
كل حرف في هذا العتاب، يوحي بمعان من المحبة تدهش القلوب!
أترون أنَّه أخبره بالعفو لئلا يطير قلبه فرقًا من مخالفة محبوبه!
[ ٢٠١ ]
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد، وارزقنا اللهم شفاعته، وأوردنا حوضه، واحشرنا تحت لوائه، اللهم واجزه عنا خير الجزاء وأوفاه وأتمه.
يقول الطاهر ابن عاشور (ت: ١٣٩٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]: «وافتتاح العتاب بالإعلام بالعفو إكرام عظيم، ولطافة شريفة، فأخبره بالعفو قبل أن يباشره بالعتاب.
وفي هذا الافتتاح كناية عن خفة موجب العتاب لأنه بمنزلة أن يقال: ما كان ينبغي، وتسمية الصفح عن ذلك عفوًا ناظر إلى مغزى قول أهل الحقيقة: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وألقي إليه العتاب بصيغة الاستفهام عن العلة إيماء إلى أنه ما أذن لهم إلا لسبب تأوَّله ورجا منه الصلاح على الجملة بحيث يسأل عن مثله في استعمال السؤال من سائل يطلب العلم، وهذا من صيغ التلطف في الإنكار أو اللوم، بأن يظهر المنكر نفسه كالسائل عن العلة التي خفيت عليه، ثم أعقبه بأن ترك الإذن كان أجدر بتبيين حالهم، وهو غرض آخر لم يتعلق به قصد النبي ﷺ.
وحذف متعلق (أذنت) لظهوره من السياق، أي لم أذنت لهم في القعود والتخلف.
و(حتى) غاية لفعل أذنت؛ لأنه لما وقع في حيز الاستفهام الإنكاري كان في حكم المنفي فالمعنى: لا مقتضي للإذن لهم إلى أن يتبين الصادق من الكاذب.
وفي زيادة (لك) بعد قوله: (يتبين) زيادة ملاطفة بأن العتاب ما كان إلا عن تفريط في شيء يعود نفعه إليه، والمراد بالذين صدقوا: الصادقون في إيمانهم،
[ ٢٠٢ ]
وبالكافرين الكاذبين فيما أظهروه من الإيمان، وهم المنافقون، فالمراد بالذين صدقوا المؤمنون»، [التحرير والتنوير: (١٠/ ٢١٠ - ٢١١)].
(٢) لم يجعل الله سبحانه السبيل على الفقراء الذي لا يجدون إلا جهدهم، وإنما ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٩٣﴾ [التوبة: ٩٣].
لذلك لا تحتقر عملك، هؤلاء أصحاب رسول الله لم يجدوا شيئًا يجاهدوا به، فطلبوا الجهاد بكل سبيل، فلمَّا لم يجدوا تولوا وأعينهم تفيض من الدمع!
لكنَّ الله سبحانه عظَّم تلك الأدمع، وغفر لهم بها.
ربَّ دمعة أنجتك من الملامة، فكيف بمقاطعتهم؟!
حتى يأتي أمر الله، ونتمكن منهم، رزقنا الله شهادة في سبيله، ونصرًا لرسوله ودينه.
(٣) لا تيأس وإن تلوثت!
يكفيك أن تعترف بذنبك .. ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢].
قال ابن كثير: «وهذه الآية - وإن كانت نزلت في أناس معينين - إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلصين المتلوثين»، [تفسير ابن كثير: (٤/ ٢٠٦)].
(٤) جاء في وصف الخليل سيدنا وجد نبينا إبراهيم ﵇ أنَّه (أواه)، وفي خلاصة معنى الكلمة أنَّه (الدعَّاء) = كثير الدعاء.
لكن هذه الكلمة تأبى إلا أن يقف الإنسان متأملًا فيها، يقلب نظر قلبه وعينيه باحثًا عن ذلك المعنى الكامن في هذه الكلمة التي ترى فيها إبراهيم ملتجئًا إلى الله، فارًّا إليه، متجردًا من حوله وقوته، عائذًا بربه، لائذًا بحماه.
[ ٢٠٣ ]
إذا نابه أمر، أو ألم به ضر، أو أهمه أمر، جعل الله حسبه.
صلوات الله وسلامه عليك أيها الخليل .. جمعنا الله بك، وجعلنا من أتباعك .. وصلى الله وسلم وبارك على حفيدك، وولدك سيد الأولين والآخرين.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].